نداءٌ عاجل… عباس عباس
جمعية حقوق الطفل، جمعية حقوق المرأة، جمعية حقوق الحيوان، جمعية حقوق المهجرين قسراً، جمعية حقوق الإنسان المؤجل العمل به لنصف قرنٍ آتٍ، وأخيراً جمعية العائدين للوطن، للذين يتعرضون للمسائلة من قبل جهات الأمن، وهو ترهيبٌ مدروس غير مراقب ولا حتى من قبل أية جهة حقوقية!....ولا حتى من قبل جمعية حقوق الحيوان في سورية الأسد!.....
كلمة المساءلة، وكلمة سورية الأسد، وجمعية حقوق هذا الحيوان، دفعا بي أن أتذكر قصة الجمال المهدرة دمها بفرمانٍ جمهوري، والثعلب الذي أدرك نفسه قبل فوات الأوان. والقصة قد تكون شعبية وشائعة بين الناس، ولكني سمعتها لأول مرة من شقيقي الهارب منذ سنين خوفاً من مسائلة الأسد له، وكان ذلك قبل أن يشب الشبل بعد أبيه ويصبح هو الأخر أسداً يصدر فرمانات بحق الإنسان قبل الحيوان!.....
الفرمان أهدر دم الإبل، فذبح منها ما ذبح، وهربت منها ما استطاعت الهروب، وبين خلط ولغط ، وجدت الجمال الهاربة بينها ثعلب هارب ، تعجبت الجمال من هربه، فسألوه عن السبب، وهو ثعلب وليس ببعير؟...
ضحك الثعلب وقال:
- حتى أثبت لهم أني ثعلب ولست جملاً، سأكون قد فقدت فروة رأسي!...
طبعاً لم تضحك الجمال، فهو لم يقل إلا الحقيقة، والحقيقة وللأسف الشديد غالباً ما تُبكي، ولكني ضحكت، "وشر البلية ما يضحك"، كما تقول العرب!.....
أنا لست بجمل، يهاب الأسد من هامته، ولا بثعلب يُحسب لمهارته في فن الخدع، لذا ما أضحكني فعلاً، ليس ما سمعته عن الثعلب، إنما ما سمعته بعد ذالك من زوجتي!....
المثل ذاك كان مطابقاً حقاً على ما قالته بعد حين أن كنا بصدد العودة للوطن!... أو ببساطة زيارة الوطن وزيارة من في الوطن، وليس العودة والاستقرار، فهذا حلم اندثر مع العقيق من الأماني في سابع أرض!....خاصة بعد أن تلوث نابه بدماء الأبرياء من أبنائنا .
ٍسألني أحد الجالسين فيما إذا كنت أفكر بزيارة للوطن؟....شهقت وأنا أفكر بالإجابة، إلا أن زوجتي إجابة عني وبكل براءته، وهي بذلك اختصرت قصة الجمال والثعلب بكلمتين أو ثلاث!....قالت وهي تضحك:
- والله...سيطبخون على طيزو( قفاه) الشاي!...
-
طبعاً هي تجدني كاتباً يحسب له ألف حساب!....بعد ما نشرت وتكلمت على التلفاز والانترنيت .
بالحقيقة نطًقت بجملة معبرة، وهي تعني أنهم سيضربونني على قفاي حتى تحمر كالصاج على النار!....حينها وكما كان رد الثعلب، يكون الإثبات كوني إنسان ولست فريسة للأسد متأخرا جداً، بل ستكون ليس فقط الشاي قد طبخ، إنما المرقة أيضا!.....
يومها كنت أعاني من آلام في كل جزء من جسدي، ولا أدري مصدره، لعله الحنين!.... بعد زيارة قصيرة لطبيب والعودة إلى البيت، دخلت غرفة النوم وقررت أن أنام دهراً بطوله!.... حصرت نفسي في زاوية من غرفة النوم، منظرها أتعس من حظي، ملكني شؤمٌ حين أن سألت نفسي:
- ما هي مساحة هذه الزاوية، قياساً لمساحة الكرة الأرضية؟.....
الجواب لم أستطع تأكيده، إنما كان مفزعاً لي!...
والفزع لم يكن مصدره المقارنة بين المساحات، بقدر ما كان من الإحساس بالهجر والهجران!...
- لو كنت الآن في قريتي، هل كنت سأقارن مساحات يبعضها؟.....بل لنقل، هل كان من الممكن أن أجد مساحة لأقارنها بمساحة قن ٍ لدجاج أمي!...
والهجران إحساس أعيشه وأنا بين العشرات من أهلي وعشيرتي، ولكنهم مهجرين مثلي، ولا أملك فيهم حق الاختيار!...هم وأنا مفروضين، كل على الأخر، شئنا أم أبينا!....العشرات منهم لا يعادلون بسمة خلٍ اخترنا أن نكون كذلك!....حاولت أن أتذكر الوجوه التي كانت كوجهي، تفرح لفرحي، وتتألم لألمي، إلا أنها مرت بخاطري سراباً، مما زاد على ألمِ، آهاتٍ دفنتها مع عبراتٍ، رشفتها مخدتي الملتوية تحت رأسي!....
لتبقى سوريا للأسد، ولتبقى كردستان يسرح فيها كل من استأسد على من لا حول ولا قوة لهم، ولتبقى ساحات الوغى للأفاقين ممن أتقنوا الأدوار المتناقضة وهي تعبث بأحاسيس الناس!...
قلت هذا وأنا أسأل نفسي، هل يحق لثعلب فر مع الجمال، محاسبة من لم يفروا وتشبثوا بأرضهم رغم كل شيء؟!...
فقلت لنفسي:
مد يدك إلى جبينك، إذ هي قد بللت بالندى استحياءً، تكون قد جاوبت .
لم أمد يدي خوفا، إلا أنني أغمضت عيني خجلاً، وحاولت أن أنام، وكم تمنيت أن يكون نوما لا بعدها يقظة!...
---------------------------------------------------------------------
عباس عباس، أديب وباحث كردي من كردستان سوريا. يعيش في المنفى.
dorki970@gmail.com




التعليقات ( تعليق):
إضف تعليقك