Sema kurd: حروبُ الملاعب .....بقلم : هيثم حسين ================================================================================ Hozan Amin on 05 July, 2008 10:05:00 تعدّدت وسائل وأساليب صناعة النجوم في العالم، وقد تسلّلت هذه الصناعة إلى جميع مناحي الحياة، فبات لكلّ منحى نجومه، وتركّز جانب رئيس من الاهتمام في اللعبة الأكثر شعبيّة؛ كرة القدم، التي تبقى على الدوام مالئة الدنيا وشاغلة الناس، ولم ينحصر تركيز الأضواء على اللاعبين النجوم فقط، بل تعدّى ذلك إلى كلّ من له صلة بالفريق، وفي المقدَّمة المدرّب، حيث يعتبر عقل الفريق المدبّر، وصاحب الرأي الأوّل والأهمّ في وضع الخطط له، بل وصاحب الأولويّة والجدارة بإطلاق التصريحات هنا وهناك لوسائل الإعلام المختلفة، معبّراً عن رأيه، مشكّكاً في جانب، مثمّناً في آخر، ولربّما يحجم أحدهم عن الظهور في وسائل الإعلام أو الإدلاء بتصريحٍ ما، فيضفي على هيبته وقاراً مضاعفاً، بعد إشاعته عن نفسه، أنّه لا يطيق فضول الصحافيّين، وأنّه ليس من النوع الذي يتكلّم أو يثرثر أو يُبربر، بل من النوع الذي يفعل، ويجعل أفعاله تتكلّم عوضاً عنه.. أمّا في الملعب فللمدرّبين صور وحكايا وخبايا، وبات لهم جمهورهم الخاصّ، عدا عن جمهور الفريق أو عشّاق اللاعبين، فقد يشجّع أحدهم فريقاً، بينما يحترم ويقدّر مدرّب الفريق الآخر.. وتشكّل حركاتهم في الملعب، مصدراً ثرّاً للتندّر عند الكثيرين، ذلك أنّ حركاتهم اللاإراديّة تظهر شخصيّاتهم الحقيقيّة التي تروق للجمهور، بعيداً عن أي تغليف لها، فنجد مدرّباً عصبيّاً، لا يهدأ، لا يجلس على مقعده، يحوص ويلوص غير دارٍ ما يفعله، يصيح على فلان، يحذّر الآخر، يطلب من مساعده تسجيل ملاحظاته، وعندما تضيع فرصة على فريقه، يبدأ بضرب الأرض بقدمه، أو ضرب أخماسه بأسداسه ضرباً قويّاً، يظهر وكأنّه يتشفّى به من لاعبيه الذين لا يطبّقون خططه، أو يتغافلون عن توجيهاته، ثمّ قد يلوذ إلى التدخين ماجّاً من سيجارته نفَساً يحرقها عن آخرها، مبتلعاً دخّانها كلّه، كأنّ في ذلك تفريجاً عن الضغط الذي يعانيه من جرّاء تهاون فريقه، أو مخالفة الواقع لتصوّره الموضوع.. وقد نجد آخر، بارداً في انفعالاته، هادئاً لا يؤتي حراكاً، مكتفياً بالنظر والتدقيق، مركّزاً على الإيجابيّات للتأكيد عليها، ومسجّلاً الهنات لتلافيها، محتفظاً بوقاره عند تسجيل هدف سواء كان له أم عليه، ناظراً إلى ساعته بين الفينة والأخرى. ومثل هذا النوع يغلي في داخله، تتناهبه الوساوس والهواجس، لكنّه يتمكّن من التحكّم بانفعالاته، كي ينقل عدوى احتفاظه برباطة جأشه إلى لاعبيه، فيمنحهم الثقة التي هي ضرورة للفوز لا غنى عنها.. تشكّل اللقطات المصوّرة التي تلتقط للمدرّبين أثناء المباراة، مادّة ثرّة متجدّدة للكاميرات التي تُخصّص بعضها لمتابعتهم، والتركيز على كلّ ما يبدر منهم، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تبادل الشتائم فيما بينهم، فيضطرّ الحكم إلى التدخّل بصرامة شاهراً البطاقة الحمراء في وجوههم، ويخرجهم خارج أرض الملعب، ليتابعوا فريقهم عن بعد، بعدما كانوا يقودونه عن كثبٍ.. قبل بداية أيّة مباراة هنالك صراع ظاهر وآخر مضمر بين الفريقين، كما أنّ هناك صراعاً لا يهدأ بين المتفرّجين والجمهور، حيث ينقسم الجمهور إلى مؤيّدين ومعارضين، فقد يتوافق المتعارضون في الحياة على تشجيع فريقٍ بعينه، وقد يتخالف المتوافقون فيما بينهم على تشجيع آخر، قد يقود أخ أو أب زمام التشجيع أو يرفع راية رابطة التشجيع لأحدهم، ثمّ يقود أخ أو أخت أو أمّ زمام قيادة التشجيع للآخر.. فيكون أثناء اللقاء وبعده التعايُر بالأوصاف، والتنابذ بالألقاب، ثمّ الافتخار أو الاستخفاف.. ويتجلّى هذا الصراع على الأرض في تصرّفات اللاعبين، من النظرة الحادّة إلى التحيّة اللدود، حتّى وإن كانوا أصدقاء في الحياة، فتراهم يتكايدون في الملعب، والمبرّر الأوّل والأخير، هو الجدّيّة التي هي السمة الأبرز والأهمّ في الملعب، حتّى وإن كان هنالك تبادل لمزحة خفيفة فيما بين المتخاصمين، تظهر تلك المزحة مبكية أكثر ممّا قد تُفكّه أو ترطّب الأجواء المشحونة، بفعل التوتّر والضغط اللذين يتعرّض لهما الجميع.. ويأتي دور الجمهور في تذكية النيران التي تتآكل الدواخل، من خلال التشجيع الذي قد يبدأ هادئاً، ثمّ يتواتر بشكل تصاعديّ، ليصل حدَّ الهستيريّ، فلا يعود مشجّع الفريق يتحكّم بأعصابه، فقد يصرخ ملء صوته دون أن يسمعه أحد، وقد يستنفد كلّ قواه ناطّاً، أو مُهرولاً في مكانه، عندما يكون متواجداً في الملعب، وقد يتصلّب أمام شاشة التلفاز في متابعته المضنية لفريقه، فيدمع أو يضحك، يصيح منبّهاً ذاك اللاعب، أو يسبّ الآخر، حبّاً وتقديراً حيناً، ولوماً وتقريعاً حيناً آخر، يتفنّن في وضع الخطط أو تعديلها، يضع لاعباً مكان آخر، يختار التبديلات المناسبة، ويلعن الحظّ إذا لم يؤاتِ فريقه.. تلتئم عنده كلّ أسماء الأفعال، من الماضي إلى المضارع إلى الأمر، فهيّا، أو هيّوا، لاستحثاث لاعبيه على الإسراع، (هكذا ينسب اللاعبين أو الفريق كلّه إلى نفسه بضمائر تعود عليه)، ورويدَك أيّها الـ...، طالباً التمهّل، ثمّ أفٍّ من الـ... للتململ والتأفّف على إضاعة فرصة ما، وآخٍ، على التوجّع من الصميم، تأسّفاً على هدف ضائع، أو مسجّل عليه.. وهكذا تستمرّ للفرق طقوسها، ولأنصارها شعائرهم، وحروب الملاعب لن تهدأ، ولن تنتهي متاعبها التي تستجدّ قبل كلّ لقاء وبعده، لأنّ ذلك سنّتها وقانونها، وسيبقى نهج المناصرين ولَهْجَهم.. وتبقى الملاعب ينابيع للتجدّد وتصدير الإبداع، تبقى مكامن للآمال والآلام معاً، تسعد بعضاً على حساب آخرين، تديم السعادة على مرّ أيّامٍ لأنصار الرابح، وتحجب الراحة والنوم عن أعين أنصار الخاسر.. وقد يكون الحياد أو عدم الانحياز فضيلة الملاعب، أو نقيصتها، حيث يتلاشى الفرق، بعد إطلاق صافرة البداية، بين كون الملعب تابعاً لهذا الفريق أو لذاك، لا يعود مجال للقبول بأنصاف الحلول، تأبى الفرق التسويات أو التوافقات السياسيّة من صيغ اللاغالب واللامغلوب، أو صيغة الكلّ رابح، أو الكلّ خاسر، لأنّه لابدّ من طرف رابح وآخر خاسر، حتّى التعادل، فيه رابح وخاسر، ولطالما هناك أكثر من طرف، يتوجّب أن يكون هناك فرحٌ وحزن؛ ناشئان من أمل بالقادم، أو ألم على الفائت.. عن جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3037 - التاريخ 3/7/2008