الأقسام
: استفتاء
ما رأيك في موقعنا؟
وما تبقى….بقلم : عباس عباس
يقال أن مجموع تعداد الكرد قبل الميلاد، تجاوز الأربعة ملايين نسمة، وأنهم كانوا جيد التحصين في جبال كردستان، الى أن دب الخلاف بين سادتها، فأصبحوا بعد ذلك لقمة صائغة سهلة على القادم من القبائل الهمج الهاربة من اليأجوج والمأجوج، والجار المتربص بالغنيمة التي فقدت قيمتها، لتناحر الأشقاء على السبق لهتك عرضها.
قتل منهم ما قتل، وشرد ما شرد، الى أن توقف الزمان على ما نحن عليه، فلم يبقى منهم الا القليل الذي يتجاوز الأربعين مليوناً، وهم وكما يقال محاصرون بين الزابين وفوق جبل القنديل، ومازالوا يتربص بهم أحفاد التتار.
هنا لست بصدد صحة هذا القول أو عدمه، انما الذي يشغل بالي هو أن يزيد القهر والقتل من تعداد البشر، فهذا أمرُ فوق قناعاتي، وان دلت الاحصائيات التقديرية فعلاً عن تجاوزالكرد لهذا العدد، فسيبقى الشك هو المحور الذي أتعذب من خلاله، ذلك لأن واقع الحال يدل على عكس النتائج. كيف لي أن أصدق هذا الرقم الهائل، وأنا أرى بأم أعيني ما نحصده الأن، فالعدد والمحصول لايتناسبان. هل الناتج متوافقٌ فعلاً مع العدد. هنا الشك قاتلي وهنا الكثيرمما يدفعني للغثيان، فالمعادلة فيه شئ من البهتان، والكثير من الضحك على الذقون.
أربعون مليوناً من ماذا؟!.....
سؤالٌ محيرٌ فعلاً.
أربعون مليون كردي من الوطنيين الأحرار، يتفانون في سبيل حفنة من تراب الوطن، والحصاد لايشبع غربان التتار الغازية منذ قرون. لذا الشك يدفعني الى رفض هذا العدد، ففي عملية حسابية بسيطة، بمقارنة العدد الهائل للكرد بناتج المحصول الاجمالي، يظهر لنا الأمر الذي يدفعني للشك بالعدد الحقيقي للكرد.
كنت أرغي بهذا وأنا أشرح عن قلقي لمثقف كردي، تحرر حديثاً من شرنقة العبوديه والتبعية ورد الفعل المقارن. نظر الي مشدوهاً ، ومن ثم ضحك بصوت أدخل الرعب في أحشائي، وهو يقول لي بعد وصلة ضحك:
- كم أنت بليد!...فالتعداد هنا يشمل حتى الذي أنكر حليب أمه.
كنت بليداً فعلاً، لذا لم أفهم مقصده، حين أن مال علي وهو يعنفني قائلاً:
- في التعداد الحسابي يا جاهل، لايجوز جمع الجماد مع الحي!....فنقول مثلاً.....يملك فلاناً، عشرة ألاف بقرة ومئة فدان وأربعة نساء!.....
لم يكن لما طرحه أمامي الأن، أية علاقة بما كان سبب الشك الذي أعيشه، لذا رددت بتهكم وقلت:
- يبدوا أنك قد تجاوزت مرحلة الشك، وقد بدأت بمرحلة الهذيان.
ضحكته والأختناق الذي تلاه في زلعومه، أكدتا جديته في التعليل والحساب، مسح بقفى يديه الدمع المتدفق من عينيه وهو يقول:
- أربعين مليون كردي، رقمٌ لاشك فيه، انما في عملية حسابية بسيطة، يظهر لنا مدى المجازوالمغالطة فيه.
كاد الغضب يعميني وأنا لاأفهمه ولا أفهم كيف أن يكون الكرد هذا تعدادهم ويكون ذاك مجازاً وخطئاً حسابياً.
التفت الي، وبهدوء وثقة وبدون أن يضحك قال:
- منذ مئات السنين، والكرد بين حجري الرحى، حجر القتل والفتك والافناء، وحجرالولاداة والتكاثر كالقطى!....وكنتيجة حتمية لعدم التوازن بين الراحتين، أفرزت من الطحن ما أستوجب الشك فيه!.....القشرة والناعم الذي يذرى مع نسمة الهبوب، والخشن الذي يستوجب الطحن من جديد، والفرق بينهم معلوم ولا يستوجب الشك، لذا لايمكننا الجمع بينهم بدون أن ندخل في مهاترات ومغاطلات. كأن تقول، ثلاث أرطال من القشر وعشر أرطال من الجرش الناعم ومثله من الخشن، ولايجوز لنا أن نقول ثلاث وعشرون رطلاُ من القمح مثلاً، لأنه كان قمحاُ والأن هو شئ أخر.
لست متأكداً وحسب ما سمعته من هذا المثقف أن لايكون قد أصابه مس في عقله، كلمته عن الكرد وهو يقدم لي معادلة حسابية. مع ذلك هناك خلط ما بين ما طرحته واجابة هذا المثقف، بحيث جعلني أن أدور في حلقة مفرغة، لاأكاد أجني منه ما يهدأ به سريرتي ، لذا تركته وسرت مططأ الرأس منحني الظهر مهموماً، وفي نيتي أن أصل فراشي وأنطرح عليه، أغمض عيني وأنسى كل ما يستوجب النسيان.
الا أنني لم أستطع أن أنسى العد الهائل للكرد والناتج الاجمالي للمحصول المخيب للآمال، وهذا المثقف الجامع الطارح ، لذا قلت في نفسي:
- أقول له أربعين مليوناً....وهو يجمع ويطرح.....أليس غريباً هذا الذي نسميه بالمثقف؟....
لم أكن أعلم، هل أبكي عليه أم أضحك منه، مع ذلك توقفت لحظة أن برق لي فكرة ما، تكاد تكون توضيحاً لاجابة المثقف.
- ألم يكن هناك الكرد الضائعة......والكرد الشاردة....والكرد الأسيرة......والكرد المتمردة.....والكرد اللامبالية...و...و... المجموع هو أربعين مليوناً....فهل يمكننا أن نجمعهم تحت مسمى واحد... الكرد؟.....خاصة والبرزاني مصطفى نفسه صنفهم بالكرد البيشمركه.... والخائنه أو الجحوش....وأنا أضيف عليهم الكرد اللامباليه. وهم ليسوا أربعين مليون كردياً، والا لما تجرأ ابن كل ساقطة على أن يعلوا سنى جبالهم، وفعل بهم ما فعلوا وما يفعلون. ومن يتجرأ أن يقول غير هذا، فهو يلوك رغاثه كالبعير.
انتهت المعادلة الصعبة هنا وتجاوزت مرحلة الشك الذي كنت فيه، وأنا أجرع كأس المر للمرة الألف مع الأربعين مليون كردي، دون أن أنسى المثقف الخارج من شرنقته حديثاً.
---------------------------------------------------------------------
عباس عباس، أديب وباحث كردي من كردستان سوريا. يعيش في المنفى.
dorki970@gmail.com
03-03-2008
قيم هذا الخبر




التعليقات ( تعليق):
إضف تعليقك