حزب العمال في مفترق الطرق...بقلم : مسعود حامد : فرنسا
لقد حاول الكثيرون من الكتاب أن يعرفوا سر هذا
لقد حاول الكثيرون من الكتاب أن يعرفوا سر هذا الحزب الذي يحتوي على الآلاف من الكورد من كل بقاع العالم، ثورة استطاعت الوصول إلى الهند والصين، وأنشئت قواعد سياسية في كل أماكن تواجدهم. إن دلّ هذا على شيء فهو يدل على قوة هذا التنظيم.
نشأ هذا الحزب في الفترة التي كانت الدولة التركية تمر بأزمات سياسية كبيرة، وانقلابات عسكرية في فتراتٍ متقطعة ومتقاربة. وكان التقاء مجموعة من الطلبة ذوي أفكار ماركسية ـ المسيطرة على الواقع آنذاك ـ نتيجة احتقان وتراكم السلبيات في تلك الدولة التي كانت تتأرجح بين أيادي قوة العسكر في نهاية السبعينيات.
بدأ نضال هذا الحزب بمجموعة من الأفكار المتناقضة، التي كانت في كثير من الأحيان سبب قوته. اتخذ مسلك الماركسية والأممية والقومية والديمقراطية ومركزية السلطة، تحرك نشاطه بقوة في تلك الفترة وشمل شرائح المجتمع الكوردي وحتى من الأتراك أنفسهم. كان النزوح الأول لهم من تركيا واللجوء إلى الدول المجاورة، بعد أن تم اعتقال بعض من رموزهم والذين ضربوا المثل في التضحية والنضال في ذلك الوقت ـ مظلوم دوغان، كمال بير التركي الأصل، محمد خيري دورمش.
كان الواقع الكوردي الأليم في كافة أجزاء كوردستان، وحتى الكورد في المهجر مأساوياً. كانوا فاقدي الأمل بعد انهيار جمهورية مهاباد، وتلاها اتفاقية الجزائر التي قُتل فيها الطموح الكوردي، ووفاة زعيم الثورة الكوردستانية السيد مصطفى البارزاني. استغل "ب.ب.ك" هذا الوضع بمنتهى الذكاء، إذ استطاع أن يكسب الشارع الكوردي في أجزاء كوردستان، خاصة بعد إعلانه الكفاح المسلح ضد الدولة التركية عام ـ 1984 ـ داعيا إلى تحرير وتوحيد أجزاء كوردستان، واستخدامه لذالك وسائل الأعلام التي كانت تحرك الفكر الكوردايتي تارة والعواطف تارات.
كان وجود حزب العمال في سوريا في فترة الثمانينيات بعد النزوح عام 1982، استقبلهم الأكراد بقلوبِ حارة كما اعتادوه، وبسرعة فائقة التفت الجماهير حول هذا الحزب ظنا أنه ربما هذه الثورة ستكون وسيلة خلاصهم من الطغاة والظلم. لم يقف النظام آنذاك موقف المتفرج بل على العكس حرك قواه الخفية، وأيضاً حرك الجماهير الكوردية لمناصرة حزب العمال لأسباب كثيرة أهمها:
1ـ تصدير القضية الكوردية من سوريا إلى الدول المجاور.
2 ـ تفريغ الساحة السياسية الكوردية من الداخل بعد أن يُهجر العقول والقوة الشبابية للخارج.
3 ـ قيام أجهزة المخابرات السورية بتجنيد رجالاته من العملاء لضرب الكورد السوريين الذين لم يتفقوا مع حزب العمال في الفكرة لترهيب الشارع الكوردي وزرع الخلاف، مما يزيد في التفرقة بينهم ويكون النظام هو الحكم في كل شيء، وأسباب أخرى لسنا بصدد ذكرها الآن.
كان النظام في سوريا يظن أن الوضع سيبقى هكذا والكل سيكون تحت سيطرته، ولكن السحر انقلب على الساحر، ليصبح النظام السوري في مواجهة هذا الحزب الذي يوما ما كان صديقا؛ زاد الخلاف بين النظام والدولة التركية بسبب دعم حزب العمال، حشدت القوات التركية على الحدود السورية في نهاية التسعينيات مهددين بحرب سورية-تركية لن تتوقف إلا في دمشق، ما أجبر "نظام اللحظات الأخيرة" إلى الاستسلام وإخراج السيد أوجلان من سوريا، ثم جرى اتفاق ما بين أجهزة المخابرات الدولية ليتم اعتقال زعيم الحزب بعدها، حيث ظن الكثيرون أن الحزب انتهى كما سائر الحركات الكوردستانية.
فاجأ هذا الحزب العامة بعد مرور ما يقارب العشر سنوات من اعتقال زعيمهم وحتى الآن أنه لا يزال يفرض اسمه بقوة على الساحة الكوردستانية والدولية، وكان الهجوم الأخير للدولة التركية على شمال كوردستان بحجة ملاحقة أنصار هذا الحزب والقضاء عليه زاد في قوته، وحركت الورقة الكوردية مرة أخرى في تركيا ومطالبة الكثير من الدول بحل هذه المسألة بالطرق السياسية، وصمود هذا الحزب من قبل مقاتليه والمعنويات التي كانوا يبدونها أيضا فاقت التصورات، ليس هذا فحسب، بل رفض رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسعود برزاني دخول تركيا إلى الشمال مهدداً بحمل السلاح في وجههم، وذلك كان بمثابة الطامة الكبرى للأتراك. الآن، وبعد مرور ما يقارب الثلاثين عاما من حمل السلاح، حزب العمال إلى أين؟ بالرغم من صفة الإرهاب الذي ألحتق به، إلا أنه أحرج الدولة التركية عدة مرات بإعلانه وقف النار من طرف واحد، والإفراج عن بعض الأسرى من الجيش التركي، فيما تعاملت تركيا خلاف ذلك، وآخر مرة، كانت عند الإفراج عن الجنود الذين تم أسرهم في الحملة التركية الأخيرة، إضافة إلى بوادر من بعض المحاكم الأوربية حول رفع صفة الإرهاب عن هذا الحزب. من هنا السؤال المطروح، هل حزب العمال جاهز لتقبل هذا الحكم من الناحية العملية؟ وما هو طريق الحل والوسائل التي يمكن استخدمها ليثبتوا ذلك عمليا؟ ربما يكون الموقف والقرار مريحا لـ "ب ب ك"، وأظن أن حزب العمال من الناحية التنظيمية جاهز لتقبل مثل هذه القرارات، وبشكل خاص إدراك هذا الحزب أن حل القضية الكوردية يجب أن يكون عبر الطرق السياسية وتدخل الدول الأوربية الكبرى، بعد أن فرضوا على تركيا اعترافها المبطن والصريح بفشلها بالقضاء عليهم.
فهل سيكون حزب العمال ثورة الحرية وتاريخ الأبطال كما يدعي مناصروه وبعض الساسة المقربين منهم؟
|




التعليقات (1 تعليق):
إضف تعليقك