: استفتاء
ما رأيك في موقعنا؟
الرئيسية | قصص قصيرة | جدار الخوف ….قصة قصيرة بقلم : عباس عباس

جدار الخوف ….قصة قصيرة بقلم : عباس عباس

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الخوف أمرٌ مشترك بين الخليقة،

-    الخوف أمرٌ مشترك بين الخليقة، الإنسان يخاف والحيوان يخاف وحتى بعضاً من الأعشاب تنكمش على نفسها، كرد فعل على خطر محدق، وهو أيضا درجة من درجات الخوف....إذا الخوف هو واقع موروث، مزروع في جينات الخليقة منذ لحظة التكوين الأولى، وإلا ما لداعي لأن تخاف الشاة التي لم ترَ الذئب أبداً، وترتعب لمجرد رؤيته....طبعاً هذا استنتاج لمعطيات واقع الحال الذي نعيش فيه...

  

وللخوف درجاته، السهو، والهيبة، والرهبة، والرعب....

 

السهو، هو أن نفاجئ شخصاً ما بحركة أو صرخة، فيرتبك لذلك لحظة أو لحظات، ومن ثم يعود إلى طبيعته، وغالباً ما يكون الهدف منه الإثارة...كأن نترصد صديقا قادم إلينا، ونفاجئه من خلف الباب بصرخة...

  

والهيبة، خوفٌ عن صيت، غير مضر إذا تحاشينا الاقتراب من الإنسان المهاب، والضرر هنا من الاقتراب، قد يكون الإذلال له نوعاً منه، وكثيراً ما استخدم العرب هذا التعبير، كناية عن رفعة ومكانة شخصٍ ما في ناسه...كأن نقول فلان مهيب...

  

أما الرهبة والرعب، فهما أقسى درجات الخوف، حيث يشلان حركة الإنسان والحيوان، بل يشلان الإدراك العام لديهما، فيستسلما لقدرهما بدون أية مقاومة تذكر!.... وكمثال عن ذلك، محاولة المستعمِر إيصال المستعمَر إلى أقصى درجات الخوف، لشل تفكيره للتحكم فيه بالقدر الذي يبغيه!....

  

بهذا الاستنتاج، ابتدأ مدرس الفلسفة، ساعته في تدريس المنطق، المقرر للمرحلة الثانوية، في ثانوية النهضة من مدينة القامشلي، شمال سورية، أو لنقل جنوب كردستان!...

 

إلا أن المقاطعة أتت من طالب لم يسمع له صوت منذ أن بدأ التدريس في هذه المدرسة،  حين وقف الطالب وبدأ بالكلام دون استئذان :

  

  - أستاذي، الخوف قد يكون كما تفضلت به، طبعٌ موروث، ولكني أعتقد أن الرعب غير ذلك، فهو الخوف المضاعف، وشدته حسب المؤثر، فكلنا نخاف الكلاب، ولكننا نرتعب من مشاهدة الأسد!...لذا أعتقد أن الموروث فينا هو الضعف، أي ضعف آلية المقاومة فينا، وإدراكنا المسبق بضعفنا أمام الخطر، هو الذي يشل حركتنا وليس الخوف!....

  

لم يتفاجأ الأستاذ بهذا الرأي، إنما المفاجئة أن تكون من هذا الطالب المختفي عن الأنظار، الجالس في نهاية الصف، المنحني الظهر دائماً وهو يضع رأسه فوق زنديه طوال فترة الدرس، لعدم المبالات بالمدرس والتدريس، ولكنته دليل قاطع على أنه كردي!....

 

كان ذلك أخر ما سمعه المدرس ومن ثم حمل حقيبته التي تحتوي على أكثر من إيضاح لعملية الخوف!...ضمنها وريقاتٌ، دوّن عليها فكرته عن الخوف ودرجاته، وهو بصدد طرحه ضمن كراس للتدريس، أو نقله إلى رواية، كثيراً ما حلم بها!....خاصة أن مقومات بناء الرواية متوفرة كلها فيه!...من الفكرة إلى اللغة الجميلة التي يبرع في تسييس كلماتها في جمله، إلى موهبة الكتابة التي لابد منها!....

  

فقط المانع المخيف!....

 وهو الأساس الذي ستقوم عليه الرواية، فهي المقدمة والعرض والخاتمة!.... إذا الخوف من المسائلة، هو الذي يشل تفكيره ويمنعه للبدء بتحقيق حلمه!...والطالب أصاب الهدف مباشرة ولم يكن يحتاج للكثير من الجهد، حتى يستكشف عناصر وإحداث روايته!.... ففي الشارع وفي البيت و في المدرسة، بل في كل مكان، قصصٌ وروايات، شخوصها تسير أمامه وخلفه وبجانبه، وقد شُلت كلياً من الإحساس بالواقع وبالخوف المضاعف!.... لكنهم بشر وعلى شاكلته وشاكلة الطالب اللامبالي ذاك، وهو يجدهم بوهميين، فاقدين للزمن المخصص لهم أن يعيشوا حياتهم، فالخوف أو الرعب، موروث فيهم منذ ولادتهم، حتى وأن كان قد طبعت وتطبعت فيهم، لذا كان استنتاجه في الدرس عن الخوف، منطقياً إلى حد ما!... أو هكذا أعتقد وليس للطالب غير أن يعترض!....

  

أستاذ أومري، كان من المتفوقين في مرحلة الثانوي، مع ذلك أكمل دراسته في الفلسفة قسم علم الاجتماع، لضيق الحال وعدم تمكنه من دراسة ما كان يتمناه!...كل ما هنالك أنه سجل في جامعة دمشق، قسم الآداب، وعمل مدرساً للمرحلة الابتدائي في مدارس مختلفة من منطقة القامشلي!....وفي أشهر الصيف الحارقة، عمل مع مجموعة من أصحابه في ورشة للعتالة!....في نقل أكياس القمح والشعير والعدس، الواردة إلى مركز الشراء في محطة القطار!....فكان بذلك يسدد ما عليه ويساعد والده في تأمين حاجات البيت، مع ذلك أنهى دراسته في علم الاجتماع بتفوق ملموس، لذلك تم تعينه بعد جهدٍ جهيد كمدرس لمادة الفلسفة في ثانوية النهضة من مدينة القامشلي!.... والوحيد الذي افتخر به كمدرس، كان والده، الذي لم يكن يدري عن دراسته أية شئ!....بل لم يخسر في تدريسه شئ يذكر!.....

  

عندما دلف إلى فراشه متأخراُ من الليل، الشئ الوحيد الذي كان يشغل باله، حديث الطالب،  من أن يكون محقاً في اعتراضه، فالضعف فينا وإدراكنا لهذا الضعف هو الموروث وليس الخوف!...والاستنتاج المنطقي لهذا، أن السبب الحقيقي لعدم البدء بكتابة روايته، هو ضعفه وإدراكه لهذا الضعف!... وهو ما كان وراء أرقه في الليل كله!...حتى أن توصل إلى القرار التالي :

 

- المانع الحقيقي للبدء، هو ضعف إرادتي وليس الخوف من المسائلة!...

 اعترافه بصحة رأي الطالب، أدخل الدفء إلى روحه، وكان كافياً أن تتسلسل أفكاره بالشكل الصحيح ومنطقي!....     

مع بزوغ الفجر،  كانت السطور الأولى قد بدأت من رواية الرعب، أو من ملحمة الخوف المضاعف!... وهو مدرك تماماً على ما أقدم عليه، وما يترتب على ذلك من عواقب قد تصل حتى إلى حرمانه من التدريس!...المهم أنه بدأ، والأهم أنه تجاوز حاجز الخوف عن وعي وإدراك وبإرادته!.....

 

-----------------------------------------------------------------------

 

عباس عباس، أديب وباحث كردي من كردستان سوريا. يعيش في المنفى.

 dorki970@gmail.com     2-1- 2008 

التعليقات ( تعليق):

إضف تعليقك comment

الرجاء إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
قيم هذا الخبر
5.00