: استفتاء
ما رأيك في موقعنا؟
الرئيسية | قصص قصيرة | المومياء….. عباس عباس

المومياء….. عباس عباس

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
 
عند سماعنا كلمة المومياء، أول شيء يخطر ببالنا هو الموت، والموت الذي أكل عليه الدهر وشرب، أي بمعنى أخر، الموت الذي لا يذرف عليه الدمع،الجثة أمامنا ونحن نقلبها على الجهات الأربع بدون وجل أو خوف،نتفحصها بدون أن يرف لنا الطرف أو نسأل أنفسنا، هل صاحب هذه الجثة، قتل أم مات موتة طبيعية بعد عمر طويل، أم قصف نتيجة لمرض عضال؟... وماذا يفيدنا أن نعرف أن كان قد قتل أم مات بمرض، طالما كل شئ مضى وانقضى، والمهم أنه الآن بيننا وأنه جثة هامدة، وهو ميراث وطني وسيُضم إلى العتيق من التحف.
 
كل هذا شيء جميل ولا غرابة فيه، ولكن ماذا فيما لو كانت المومياء تعيش، نعم هي مومياء وتعيش كما نعيش الآن،وتقرر وتفرض الرأي وتحكم؟.... شئ غريب حقاً ووجه الغرابة في ذلك هو، كيف يكون الإنسان مومياء ويعيش بيننا،والإجابة على ذلك بسيط للغاية مع صاحب خالد،المدرس المتواضع الذي دفع ما لم يستطع جمعه طيلة حياته،للحصول على تأشيرة للخروج من الوطن وتأشيرة لدخول فرنسا؟!...
 
 الذي يعرفه خالد عن صاحبه الذي يعيش في فرنسا، والذي تركه منذ عشرين سنة بهدف الدراسة فيها، هو أنه مثقف وجيد الاطلاع على العديد من الثقافات في العالم ، ذلك من خلال مطالعته للكثير من الكتب القيمة.
 
ابتسم خالد بعد أن تذكر كيف كان صاحبه ينتقل حين مطالعته لتلك الكتب، من معتقد إلى أخر، ومن مديحِ لكاتب لآخر، وبدون أن يتذكر ما قاله عن الذي سبقه، بل لنقل كان يتناساه بفطنة!....
 
كان صوفياً في بدايات شبابه وملتزماً بسنة القرآن الكريم، كاعتزازه بصفات الرسول المعجزة، ومن ثم وبدون مقدمات وبغير إظهار أي أسف أو ندم تحول عن ذلك كله، ليصبح شيوعياً حتى مخ العظم، ويردد بدل الآيات الحميدة، أغنية البروليتاريا المشهورة في يوم الانتصار، ممجداً لينين الداهية والعبقري كارل ماركس!.... وكيف قبل أن ينتهي من مرحلة الثانوي، أصبح من أشد المنادين بأفكار ماوتسي تسونج وضرورة الأخذ بفكرته عن الثورة الثقافية!.... وأخر مرة تقابلا فيها منذ عشرين عاماً، كان يتذكره وجودياً بوهيمياً لا يردد إلا ما كتبه جان بول سارتر وزوجته الغالية سيمون وغيرهم من فلاسفة الوجودية في حينه، وهو يكفر بالقيود الاجتماعية والسياسية الخانقة لحرية الإنسان والمستعبدة لمجاله الفكري الحر، كما كان يقول .
 
سأل خالد نفسه وهو يتخيل صورة صاحبه، لماذا لم يسمع له صيت ككاتب وفيلسوف حتى الآن، وهو الذي أدرك قبل غيره معنا الحياة ومبادئها، والتي كان يطرحها بشكل كثيف ومعمق أمامه وأمام كل من أصحابه؟!.... الجواب كان ينتظره وأن كانت مفاجئة مذهلة له .
 
تذكر خالد صورة صاحبه وهو يودعه عند الحدود التركية السورية،عندما كان متوجهاً للدراسة في إحدى الجامعات الباريسية،مركز أحلامه، بل مركز البحوث، كما كان يكرره عند الحديث عن الوجودية أو البوهيمية التي كان يعيشها.
 
بنطالٌ أسفله ضعف الخاصرة التي ضمرت بسبب البال المشغول أبدا باللاشئ، حزامه العريض المرصع بالأزرار الفضية، كحزام الكديش الذي يجر عربة هولندية، شعره الذي يصر عليه أن يبقى مسبلاً وهو يتجعد في أقرب فرصة متاحة، وأخيراً تذكر جبهته المتجعدة بفعل التفكير المستمر، أو بالحقيقة التصنع بالتفكير، كما كان يسمعها كسخرية من بعض زملائه .
 
تذكر خالد جزءاً مهماً من النقاش الذي دار بين صاحبه هذا وبين مسؤولٍ لحزبٍ قومي، في أحد الصفوف المدرسية، حين كان صوفياً مسلماً، وكيف أنه تلقف المسؤول المندهش المذهول، بالآيات 
القرآنية والحديث
 الشريف،الداعية لأمة مسلمة واحدة والرافضة للأحزاب والأعراق، وكيف أن المسؤول ذاك وخوفاً من تكالب الرأي العام ضده، سكت على مضض منه وبلع ريقه حسرة على القومية التي ضاعت أكثر من ألف عام، وما تزال مع هذا الخبيث . 
 
ضحك خالد حين تذكر أيضاً، حديثاً آخر كان قد دار بين المسؤول ذاك وصاحبه هذا قبل نهاية السنة الدراسية، في هذه المرة، كان صاحبه قد اعتنق الشيوعية وأصبح من الأشد المعجبين بالأممية وزعيمها لينين، والآخر مازال يعارك الغيلان من أجل نيل أبسط الحقوق لقومه، وهذا كان سبب كاف ليدفع بالنقاش أن يطول والحوار أن يرتفع حرارته لدرجات عالية من التوتر، خاصة بعد أن اختلفت الأدوار هنا، الإسلام والرأي العام ليس مع أي من الطرفين، وهذا ما كان يخيف المسؤول الحزبي حين كان يتكلم باسمه، أما مع الشيوعية فالأمر مختلف، فالرأي العام ليس معه كلياً بل كثيراً ما كان منبوذاً منه وخاصة في بداياته .
 
ولم يفت خالد، حين أن تذكر أيضاً سخرية صاحبه بالدين وبالأممية وبالقومية وهو يطبق عملياً البوهيمية بقشورها كل يوم، كإطالة اللحية وشعر الرأس، وعدم الاستحمام والنوم في العراء وسماع الموسيقى الصاخبة....و...و.. إلى آخره .
 
نظر خالد من نافذة الطائرة التي ستهبط بعد قليل في مطار ديغول الدولي، ليتخيل منظر صاحبه وهو يستقبله، سيضمه إلى صدره وسيعصره بكل قوته حباً بسنين صداقتهما التي كانت على أحسن ما يرام حتى يوم وداعه . ضمن انبهاره بعظمة هذا البلد الذي يعبر عنه حركة الطيران على أرضه، تذكر منظر صديقه وسأل نفسه:
-    هل سيكون على جلابية وسروال ولحية وحليق الرأس،كما هم عليه أهل القاعدة مثلاً، أم سيكون ضمن طقم متواضع وربطة عنق حمراء،أم سيكون بالبنطال المعروف حين ذاك بالشارلستون وحزام الكديش ذاك.

ليس هناك ما يخاف منه طالما أوراقه سليمة، فكر خالد بهذا وهو يتجاوز حاجز الأمن المطار، وبدأ يبحث عن صاحبه الذي كلمه كثيراً من قبل، والذي سيكون بانتظاره كما وعد بذلك، لم يبتعد كثيراً عن المخرج المخصص للقادمين من دمشق، خوفاً من أن يضيعه صاحبه، لم يكن يعرف على أية قيافة يبحث عنه، مع ذلك حاول بقدر الإمكان أن يتذكر سحنته التي لم تغب عن باله . التفت كثيراً حول نفسه وهو يبحث عنه، وتفحص كل الوجوه الممكنة أن تكون لصاحبه، ولكن كلها كانت بدون طائل، وهو بهذه الحالة المذرية التي كان للخوف من الضياع الدور الأكبر فيه، حتى سمع صوت ينادي على أسمه وباللغة العربية، وهو يحثه على التوجه إلى أقرب مركز للاستعلامات .
 
تنفس خالد السعداء، حمل حقيبته التي ملأها بكل أنواع المأكولات الدارجة في بلده،واتجه إلى كشك للاستعلامات التي كانت قريبة منه وقدم نفسه باللغة الإنكليزية.
 
تكلم أحد العاملين هناك بالهاتف، دقائق حتى ظهر له شبحٌ قد غطى نفسه من رأسه حتى قدميه بالسواد، يلوك علكه وببالغ الميوعة قدم نفسه لصديقه خالد:
- هاي... أنت خالد.... والله ما عرفتك، ولك ختيرت.... ولك بتتبين متل المومياء!....
 
لم يفاجأ خالد بهذا التغير، إنما أن يكون مسخاً بهذا القدر، مع ذلك الشيء الوحيد الذي تحير بأمره وهو يسأل نفسه :
- يا إلهي....هل أناديه بالمسيو.....أم بالمدام .
 ---------------------------------------------------------------------
عباس عباس، أديب وباحث سوري، يعيش في المنفى
dorki970@gmail.com
 
 
 
 
 
 
 
 

التعليقات ( تعليق):

إضف تعليقك comment

الرجاء إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
قيم هذا الخبر
0