Share |

الكُــرْد...أ. د. فاروق إسماعيل

أ. د. فاروق إسماعيل
أ. د. فاروق إسماعيل

النسخة الأصلية للبحث المنشور في الموسوعة العربية، المجلد 16، 2006، ص 151 – 154. (قبل أن تقوم إدارة الموسوعة بالحذف والتعديل)

ينتمي الكردKurds إلى مجموعة الشعوب الإيرانية الآرية ، وهم يشكلون أكبر أقلية عرقية في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا ، ويقدّر عددهم بنحو /30/ مليون نسمة.

يمكن تحديد الإطار الجغرافي لمناطق استقرارهم بالجهات التي تتجاور فيها الدول الأربع وامتداداتها ، وذلك بين : نهر الفرات ، أرزروم ، نهر أراس ، بحيرة أورميا ، لورستان ، خانقين ، كركوك ، الموصل ، الجزيرة السورية العليا . وفي هذه الأرجاء – منذ الألف الثالث ق.م – كان يستوطن أسلافهم من الشعوب الجبلية خلال الحقب المتتالية من تاريخ الشرق القديم، والذين عرفوا بأسماء عدة : اللولو ( اللولوبيون ) ، الكوتيون ، الحوريون ، الميتّانيون ، التوروكّو ، الكاشيون ، الميديون ، المانّيون ، الكردوخيون . وكانت التسمية الجغرافية سوبرتو تشير في المدوّنات الكتابية المسمارية إلى القسم الأكبر ( الغربي ) من ديارهم.

كما توجد مجموعات منهم مهاجرة إلى أرمينيا وأذربيجان وشمال شرقي إيران وباكستان ولبنان ، ونزحت أعداد كبيرة منهم إلى أوربا خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي.

اتجهت الفتوحات الإسلامية إلى كُرْدِستان ( بلاد الكرد ) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، بقيادة عِياض بن غُنْم ( 17هـ ) ، ونشرت الدين الجديد ، وحاربت الزردشتية ، وحدّت من انتشار المسيحية هناك . وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان دخل معظم الكرد الإسلام ، ومذّاك أضحى تاريخ بلادهم جزءاً من التاريخ الإسلامي ، ونهلوا من التراث العربي ، وأسهموا فيه.

ضعفت الخلافة العباسية في الدور الثاني من تاريخها ، وازداد النفوذ التركي فالبويهي فيها . واستغل ذلك زعيم قبلي للكرد ، يدعى حسنويه بن حسين البرزكاني ، واستقل – بدءاً من 348هـ / 959م – بحكم كامل إقليم كردستان الشرقية ، ومدّ نفوذه حتى ديناور ونهاوند وهماوند ، معترفاً بالخلافة العباسية والسيادة الشكلية للبويهيين ، واستمر حكم سلالته حتى 405هـ / 1015م.

كما استقل المروانيون الكرد في المرحلة ذاتها بحكم المناطق الغربية ( آمد ، ميافارقين ، نصيبين ) ، وذلك بعد موت معز الدولة ( 372هـ / 983م ) . ودخلوا في صراع مرير مع الدولة العقيلية في الموصل ، انتهى بسيادة العقيليين في ديارهم ، وتجنيدهم في غزو حلب.

وفي عهد حكم الزنكيين في الموصل عاملَ عماد الدين الزّنكي الكرد في هكّاري وجزيرة ابن عمر بقسوة ، ثم تمكن من استمالتهم والاستفادة منهم في السيطرة على بلاد الشام لتكوين جبهة إسلامية في مواجهة الفرنجة.

ثم برز دور الأيوبيين الكرد في التاريخ الإسلامي ، وأضحى السلطان صلاح الدين الأيوبي

( 531-589هـ / 1137-1193م ) أبرز قائد مسلم حمى الدولة الإسلامية العربية من الانهيار، وقارع الفرنجة وردّهم وحرر بيت المقدس منهم ، وتزعم الدولة الأيوبية ( 574-650هـ / 1178-1252م ) التي شملت ديار المسلمين في شمال العراق وبلاد الشام ومصر

واليمن.

خضعت بلاد الكرد للغزو المغولي ، واجتاحها هولاكو بعد دخوله بغداد والقضاء على الخلافة العباسية ( 657هـ / 1259م ) ، وقاومه الأمير الأيوبي الكامل محمد في ميافارقين ، ثم استسلم.

ثم برز دور العثمانيين الذين استولوا على تركيا ، وأعلنوا حكم الخلافة الإسلامية ، وأنهوا حكم الإمبراطورية البيزنطية ( 1453م ) . ثم بدأ صراع جديد على أرض الكرد ؛ بين العثمانيين والصفويين حكام إيران ، واستمال العثمانيون معظم الزعماء القبليين للكرد ، وانتصروا بمساعدتهم في معركة جالديران ضد الصفويين ( 1514م ).

عقد الكرد في 9 آب 1515م تحالفاً مع السلطان سليم ، شكّل بداية مرحلة استقرار وازدهار في تاريخهم امتدت حتى نهاية القرن الثامن عشر م ، فأسسوا إمارات صغيرة عدة خاضعة للإمبراطورية العثمانية ؛ أبرزها : إمارة سوران وبابان ( في شرقي إقليم كردستان العراقي ) ، إمارة أردلان ( في إقليم كردستان بإيران ) ، إمارة بدليس ( قرب بحيرة وان في تركيا ) ، إمارة بوطان ( في مناطق جزيرة ابن عمر التركية ) ، إمارة حصن كيف الأيوبية ( شرقي دياربكر ) ، إمارة هكاري ( في الزاوية الجنوبية الشرقية من تركيا ) ، وغيرها . ويُعَدّ كتاب شرفه نامه لشرف الدين خان البدليسي ( المؤلف سنة 1596م بالفارسية ) ورحلة الجغرافي التركي إوليا جلبي أهم مصدرين عن تاريخ هذه الحقبة.

تنامى خلال ذلك الشعور القومي لدى الكرد ، واحتدم صراع أمراء القبائل الكردية مع العثمانيين من أجل الاستقلال بحكم مناطقهم ، فكانت ثورة صادق خان شَكاكي في إيران

( 1797م ) وثورة آل بابان في مناطق السليمانية ( 1806م ) وثورة محمد باشا رواندوزي في شمالي العراق ( 1833م ) وثورة آل بدرخان أمراء بوطان ( 1840-1846م ، 1879م ) . وكانت أضخمها وأشملها ثورة الشيخ عبيد الله نهري ( 1880م ) التي هدفت إلى إقامة دولة كردية مستقلة تحت سيادة السلطان العثماني ، ولكن العثمانيين قمعوها بسرعة ، ونفوا قائدها إلى مكة ؛ حيث توفي ( 1882م ) ، وعمدوا بعد ذلك إلى تحسين علاقتهم مع قسم من زعماء القبائل، وشكلوا منهم في سنة 1891م كتائب " فرسان الحميدية " – نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني – لتفرقتهم وإضعافهم ، وتأليبهم ضد بعضهم وضد الأرمن.

تسارعت الأحداث والتطورات التاريخية في المنطقة ؛ في مطلع القرن العشرين  ، وانتهى الحكم العثماني ، وبدأت سيطرة الدول الأوربية بعد اتفاقية سايكس – بيكو ( 1916م ). اقترحت معاهدة سيفر ( 10/8/1920م ) إنشاء دولة كردية، ثم تجاهلت معاهدة لوزان ( 24/7/1923م ) ذلك ، وقسمت مناطق استقرارهم.

في هذه الأثناء وبعدها تجددت الثورات الكردية في أصقاع شتى ، أبرزها : ثورة الشيخ محمود بَرْزنجي ضد الإنكليز في شمال العراق ( 1919 ، 1931م ) ، ثورة سِمْكو شكاكي في إيران ( 1920 – 1930م ) . وفي تركيا ثورة الشيخ سعيد ( 1925م ) وثورة سيد عبد الله

( 1928م ) وثورة أرارات ( 1930 – 1932م ) وثورة سيد رضا في ديرسم ( 1936 – 1938م ) . وكانت أشمل ثورات الكرد في العصر الحديث، وأطولها دواماً ثورة الملا مصطفى بارزاني ( 1943 – 1945م ، 1961-1975م ) ، وتخللها قيام جمهورية مهاباد الكردية في غرب إيران بقيادة قاضي محمد ( مطلع 1946م - مطلع 1947م ) ودعم البارزانيين ومساندة الحكومة السوفيتية.

انتهت جهود كرد العراق بإعلان إقليم كردستان إقليماً مستقلاً ضمن إطار الجمهورية العراقية، وفي تركيا يقود الكرد منذ 1984م حرب عصابات في مناطقهم ، ولكنها تقلصت إلى حد كبير بعد لجوء الحكومة التركية إلى سياسة الانفتاح إزاء القضية الكردية ، ووقف سياسة التتريك ، والمبادرة إلى منحهم حقوقاً خاصة. أما في إيران فقد اندمج الكرد في سياسات الثورة الإسلامية، ويسود الهدوء مناطقهم . وفي سورية يعانون من آثار إحصاء سكاني غير دقيق جرى في 1961م ، وحرم قسماً منهم من الجنسية ، ويأملون الحصول على حقوق ثقافية لهم.

تنتمي اللغة الكردية إلى مجموعة اللغات الهندوأوربية، وهي إحدى اللغات الإيرانية الحديثة ؛ مثل الفارسية الحديثة ( الدَّريَّة ) والبوشتية ( الأفغانية ) والبلوشية . وتضمّ لهجتين رئيسيتين ، هما : الكُرْمانجية التي يتكلم بها نحو ثلثي الكرد ؛ ولاسيما في مناطقهم الشمالية الغربية ، وتستخدم في كتابتها الأبجدية اللاتينية . والسورانية المستخدمة في شرقي إقليم كردستان العراقي والمناطق الإيرانية المقابلة ، وتستخدم في كتابتها الأبجدية العربية.

كما تضم ثلاث لهجات أخرى مستخدمة في أطر جغرافية محدودة ، هي : الظاظية أو الديملية في مناطق ديرسم التركية ، اللورية – الفيلية في إقليم لورستان الإيراني والمناطق العراقية المقابلة ، الكورانية في المناطق الواقعة بين كرمنشاه وسنندج بإيران . وقد تأثرت جميعها باللغات الرسمية الحكومية في مناطقها.

كان علي تَرْموخي أول من وضع كتاباً في نحو اللغة الكردية وصرفها ، بعنوان " السبيل إلى اللغتين الكردية والعربية " سنة 1591م . وصنّف إسماعيل بيازيدي ( 1655 – 1710م ) أول معجم لغوي ثلاثي ( كردي – عربي – فارسي ) باسم " كولزار" .

مرّ الأدب الكردي بمرحلة طويلة من " الرواية الشفهية " ، وغلبت فيه الحكايات والملاحم التاريخية والشعر ، وتعود بدايات تدوينه إلى القرن الحادي عشر م ، متمثلة بأشعار علي حريري ( الشمديني الهكّاري ).

ومن الأدباء البارزين في تاريخ الأدب الكردي ، نذكر:

- الشاعر فقّي طيران ( الهكّاري ) ( القرن 14م ) الذي يعدّ رائد الشعر الكردي، وكتب قصصاً وحكايات فلسفية أبرزها قصة " برسيس العابد" .

- ملاّي جَزيري ( البوطي ) ( القرن 15م ) شاعر الغزل الصوفي، ترجم شعره إلى الفرنسية.

- ملاّي باتي ( الهكّاري ) ( القرن 15م ) الذي اشتهر بـ " المولد " الذي نظم فيه سيرة النبي الكريم شعراً.

- أحمد خاني ( الهكّاري ) ( القرن 16/17م ) شاعر ومفكر ، اهتم بالفكر الصوفي ، وصنّف المعجم العربي – الكردي ( نوبهار ) ، وكتب سيراً تاريخية وقصصاً ، ونظم شعراً غزلياً باللغات الكردية والعربية والفارسية والتركية . وأشهر أعماله ملحمة ممو زين التي عرّبها

د. محمد سعيد رمضان البوطي.

- شيخ خالد ( القرن 18/19م ) أصله من السليمانية ، ومات في دمشق ( 1826م )، من شيوخ الطريقة النقشبندية.

- نالي ( 1791 – 1855م ) من شهرزور ، تنقل بين السليمانية ودمشق واستانبول ، وعُني بالترجمة من العربية إلى الكردية ، ونظم أشعاراً غزلية متميزة . ويعدّه الباحثون مؤسس الأدب الكردي في العراق.

- حَجّي قادر كويي ( 1815 – 1898م ) رجل دين وشاعر ، تأثر بشعر أحمد خاني وأفكاره ، وتحول إلى الفكر القومي ، ونظم شعراً غزيراً باللهجة السورانية.

وأخيراً نذكر من أبرز شعراء الكردية في القرن العشرين: ملا محمد كويي، زيور، بير مير، عبد الله كوران ، دلدار ، بيكس ، هجار ، شيركو بيكس ( في العراق ) ، جَكَرْخوين ، اوصمان صبري ، قدري جان ، تيريج ، أحمد حسيني ( في سورية ).

أما الأشكال الأدبية الأخرى فلم يهتم بها الكرد إلا مؤخراً . كما تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من المبدعين الكرد كتبوا باللغات الرسمية في بلدانهم، مثل يشار كمال، عزيز نيسين (بالتركية)، جميل صدقي الزهاوي ، بلند الحيدري ، خير الدين الزِّرِكْلي، سليم بركات، عبد الحليم يوسف ، أحمد إسماعيل ، إبراهيم اليوسف ، طه خليل....

صدرت أول صحيفة أسبوعية باللغة الكردية والأبجدية العربية باسم " كردستان " في القاهرة

( 1898م )، ثم انتقلت إلى استانبول ، وكان يشرف عليها آل بدرخان . ثم بدأت تصدر عشرات الصحف الكردية المتنوعة ، أبرزها صحف رائدة صدرت بين 1932- 1945م مثل : هَوار، رُوْناهي، رُوْجا نو ( في سورية )  كَلاويج ، جِين ( في العراق ).

أما في المجال الفني ، فقد اهتم الكرد منذ القديم بالغناء والموسيقا ، واستفادوا من ذلك في الحفاظ على تراثهم الشعبي ، وبرزت أسماء مثل : محمد عارف جزراوي ، كاويس آغا ، عيسى برواري ، شمال صائب، فؤاد أحمد، حسن زيرك ، ناصر رزازي ، دلشاد ، مريم خان ، شفان ، جوان حاجو ، محمد شيخو ، محمود عزيز ، سعيد يوسف ، شيدا . وانصرف د. محمد عزيز ظاظا إلى تعليم الموسيقا للأجيال . وبرز فنانون تشكيليون كرد ، مثل : عمر حمدي ، بشار العيسى ، بَهْرَم حاجو . ووضع يلماز كوني الأساس لحركة سينمائية كردية.

يمكن وصف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للكرد بأنها كانت قبلية ( عشائرية ) إقطاعية، تستقل كل قبيلة بالنفوذ في منطقة خاصة ، ويمتلك زعيمها ( الآغا ) وأسرته الأراضي الزراعية وقطعاناً ضخمة من المواشي ، ويرتبط به الفلاحون بأسلوب " المحاصصة " ، ويخضعون لقراراته. وكانت العوامل الاقتصادية وتجاوز الأعراف سبباً لحالات الصراع القبلي التي كانت الحكومات تستغلها لتأليب القبائل ضد بعضها واستمالة بعضها.

أحصى ف . ديتل في كتابه " رحلة إلى الشرق " 250 عشيرة كردية في أواسط القرن التاسع عشر م ، ويزداد العدد في مراجع أخرى . وتضم كل منها المئات من الأسر ، كما توجد اتحادات قبلية ضخمة ، مثل : شَكاكا ، آرتوشي ، جبرانلي ، مللي ، بَرازي.

كان قسم كبير من عشائر الكرد شبه رحل ، يتنقلون بين الجبال والسهول للرعي . وكانت لبعضها علاقات حميمة واختلاط اجتماعي واسع مع القبائل العربية ، مثل : دزيي ، بيجوان ، هماوند ، جَرْجَري، آلوسي ، كيكي. وتنوعت أحياناً المعتقدات الدينية والمذهبية للعشيرة الواحدة.

نذكر من ابرز القبائل الكردية في إيران : شَكاكا ، سِيبكان ، حَيدران ، دَهْبوكري ، بَكْزاده ، مريوان ، مامش .. وفي العراق : بارزاني ، زيباري ، ارتوشي ، بيشدري ، سندي ، شيخان ، خوشناو ، جلالي ، جاف ، دوسكي ... وفي تركيا وسورية : مللي ، بَرازي ، كيكي ، رَمّي ، مرسيني ، ميران ، آليان ، هَفيركا ، أومري ، شمدينا ، كاسكا ، زَرْكي ، زِرِكلي ، زِيلان ، دِمْبلي ، داسنان...

ويوجد في مدينة دمشق عدد من الأسر ذات الأصول الكردية ، مثل : أيوبي ، آل رشي ، قوطرش ، ملا ، متيني ، رشواني ، ميرخان ، ظاظا ، وانلي ، بارافي ، خاني ، بوطي ، قره جولي ، كم نقش ، تللو ، سلو ، زلفو ، بوظو ، شيخو ، ميقري ، عرفات ، كركوتلي ، نقشبندي ... وتنتمي إلى أصول كردية أسر كبيرة في حماة ، أبرزها : برازي ، الزعيم ، كوجان ، جيجكلي..

تجاوز الكرد المرحلة القبلية ، واندمجوا في المجتمعات المدنية التي يعيشون فيها ، وتنوعت اهتماماتهم الاقتصادية والفكرية.

أما من الناحية الدينية فمعظم الكرد مسلمون على المذهب السنّي الشافعي ، ومنهم الشيعة وأتباع طائفة تدعى " علي إلهي " ، والإيزيديون والمسيحيون.

شاعت الطرق الصوفية بينهم ؛ ولاسيما الكيلانية والنقشبندية والبارزانية ، وبرز منهم علماء أجلاء في العقيدة الإسلامية.

مراجع للاستزادة:

1-  H. Arfa : The Kurds. An historical and political Study. London, Oxford

                       Uni . Press 1965 .

2-  F. Khalil : Kurden heute . Europaverlag , Wien 1985 .

3-  Q. KURDO : Tarixa Edebyeta kurdi . Vol. 1,2 . Stokholm 1983 .