Share |

عندما يغيب النقد البنّاء… السلام على الفن... غارسيا ناصح

غارسيا ناصح
غارسيا ناصح

 

عندما يغيب النقد البنّاء، لا يموت الفنّ فجأة، بل يذبل بصمت.

يمشي بيننا ككائنٍ جميلٍ فقد مرآته، فلا يعرف كيف يرى عيوبه، ولا كيف يطوّر ملامحه، ولا كيف يشتدّ عوده في وجه الزمن.

الفنّ لا يعيش على التصفيق وحده، كما أنّه لا ينمو في بيئة الشتائم والتجريح. إنما يحتاج إلى عينٍ واعية، وقلبٍ نزيه، وعقلٍ يعرف الفرق بين الهدم والبناء. النقد الحقيقي ليس عداوةً للمبدع، بل هو شراكة في الارتقاء. هو الضوء الذي يكشف العثرات، لا ليُسقط الفنان، بل ليمنحه فرصة أن يقف أقوى.

في أوطاننا، كثيرًا ما يغيب هذا النوع من النقد. إمّا أن يتحوّل إلى مجاملاتٍ فارغة، تُغرق العمل في بحرٍ من الثناء المصطنع، أو يصبح سيفًا شخصيًا يُشهر بدافع الغيرة أو الحسابات الضيقة. والأسوأ من ذلك، حين يصبح النقد سلعةً تُشترى وتُباع؛ كلماتٌ تُفصَّل على مقاس العلاقات، ومقالاتٌ تُكتب بميزان المصالح.

عندها، يفقد الفن بوصلته.

حين يُشترى النقد، تُشترى معه القيمة. يصبح الرديء عظيمًا، والعظيم عابرًا. تختلط المعايير، ويضيع المتلقي بين ضجيج الأسماء ولمعان العناوين. لا يعود السؤال: “هل هذا العمل جيد؟” بل يصبح: “من يقف خلفه؟ ومن يروّج له؟”

في غياب النقد الحرّ، يتراجع الذوق العام. تتكاثر الأعمال المتشابهة، وتُكافأ السطحية، ويُحاصَر التجديد. يخاف المبدع من المغامرة، لأنه يعلم أن لا عين ستنصفه بموضوعية، ولا قلم سيقرأه بعمق. وهكذا، يتحوّل المشهد الثقافي إلى دائرة مغلقة، يُصفّق فيها الجميع للجميع، بينما الحقيقة تقف خارج القاعة.

النقد البنّاء ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية. لقد ازدهرت الفنون في عصورٍ كان فيها الحوار قائمًا، والسجال الفكري حيًا، والمعايير واضحة. لم يكن المبدع فوق المساءلة، ولا كان الناقد فوق الأخلاق. كانت العلاقة بينهما علاقة شدٍّ وجذبٍ تُنتج الجمال.

أما اليوم، فإنّ إعادة الاعتبار للنقد تعني إعادة الاعتبار للفن نفسه. تعني أن نقبل بأن العمل الإبداعي قابل للنقاش، وأن الموهبة لا تُحصَّن ضدّ المراجعة. وتعني قبل ذلك كله أن يتحرّر النقد من المجاملة، ومن الخوف، ومن البيع.

عندما يغيب النقد البنّاء…

نقول: السلام على الفن.

لكن عندما يعود النقد حرًّا، شجاعًا، نزيهًا…

يعود الفنّ حيًا، متوهجًا، قادرًا على أن يكون مرآةً صادقةً لروح الأمة.

 

التشكيلي الكردي : غارسيا ناصح

 

فنان تشكيلي وشاعر وكاتب عراقي معاصر، خريج كلية الفنون الجميلة. يجمع بين فن الرسم وكتابة الشعر، ويرى أن لكل منهما موسيقاه الخاصة، ويؤمن بتناغمهما...