Share |

في تلك البلاد في متاهة الذكريات ...هيثم‭ ‬حسين

 

تلك البلاد التي باتت بعيدة الآن بالنسبة إليّ جغرافيّاً، لكنّها ما تزال تسكنني وتسيّرني بطريقة ما وتقودني في دهاليز الذاكرة ومتاهة الذكريات، تبقيني في بحر المآسي المتفاقمة التي أتابع وقائعها يوماً يوماً، أصرخ صراخاً يدوّي في أحشائي فقط، يتحوّل إلى دمعة صامتة تنحدر على الخدّ أحرص على ألّا يلمحها أحد.

في تلك البلاد قد تفقد حياتك لأبسط سبب، أو من دون أيّ سبب، لا قيمة للحياة الإنسانيّة هناك، ولا قيمة للإنسان نفسه. أذكر أنّ أحد أبناء عامودا كان يكرّر أنّ أرخص ما في المدينة هو الإنسان. كان يتمّ استرخاص الجميع وكلّ شيء بحجّة الدفاع عمّا هو أهمّ وأسمى. ولا أدري ماذا أهمّ وأسمى من الإنسان والإنسانيّة..!

 

الموت متربّص بك في كلّ الزوايا والأزقّة والشوارع، لا شيء يحميك، قد تموت بقذيفة طائشة، وقد تقضي على يد مجهولين ملثّمين خطأ، وقد ينتقم منك بعضهم من دون أن تدري أسباب انتقامهم، تتعدّد سلسلة احتمالات القتل والموت، وحدها الميتات الطبيعيّة هي الأقلّ في زمن الموت المجّانيّ المعمّم.

 

في تلك البلاد، قبيل الحرب، كان الإنسان رخيصاً جدّاً، لا قيمة له في نظر النظام، أيّ امرئ يحاول التطاول يكون عرضة للانتقام والإيذاء به في وضح النهار. جاءت الحرب لتسرق أرواح الناس بالجملة، ليتحوّلوا إلى أرقام يعلو عدّادها يوماً بيوم، ولا يحاول أحد في العالم المتحضّر إيقاف هذه المجزرة الماضية المستمرّة.

 

الحرب غدت السبب المباشر لفقدان أعداد كبيرة من الناس لأرواحها، قبل ذلك كان يتمّ اغتيال إنسانيّة الإنسان على جرعات، كأنّ يتمّ استلابه مصدر رزقه، ومحاربته في لقمة عيشه، ومنعه من الشعور بذاته كإنسان له ما له من حقوق وعليه ما عليه من واجبات. كان المطلوب إبقاء شعور الهزيمة مستقرّاً ومتنامياً في أرواح الناس الذين لم يعرفوا معنى حقيقيّاً للمواطنة في بلدهم.

 

تعرّضت أكثر من مرّة لحوادث كدت أفقد فيها حياتي، وكان يتمّ دفعي إلى تلك الحوادث بطريقة ما، أو تهيئة الظروف بنوع من التدبير والمكيدة، ليتمّ إبراز الأمر فيما بعد وكأنّه قضاء وقدر، ويتمّ تجاهل الأسباب الحقيقيّة والتعمية عليها بحجج بائسة.

 

تسبّب حوار قصير أجرته معي إحدى الصحف العربيّة بنقلي من مدينتي عامودا إلى تلك القرية البائسة، كان ذاك النقل نفياً، عقوبة لي على تجرّئي برفع الصوت ضدّ امتهان الإنسان واسترخاصه، ذكرت حينها أنّنا نعيش في بلاد تكاد تنعدم فيها الفرص؛ فرص الحياة وتفاصيلها، من أيّ نوع كانت.

 

أصرّ المحقّق على النيل منّي وتسخيفي وتحقير الكتابة والفكر والأدب، وكان مسدّسه المركون على الطاولة رمز قوّته وتفوّقه عليّ. وكان يكرّر على مسامعي بضرورة ألّا أتفلسف في إفاداتي عن أسئلته التي يطلب فيها منّي تفسير الكلام الذي صرّحت به في حواري، كان يتوقّف عند كلّ كلمة ليسألني عن مقاصدي من ورائها، وإشاراتي وسهامي إلى السلطة فيها.

 

كان يكرّر لي أنّ كلامي ملغّم ويحتمل التأويلات لكنّه يعلم مقاصدي الحقيقيّة من ورائه، وأنّني أحاول استعراض جرأتي في نقد السلطة، وأبحث عن حظوة معنوية وبطولة متخيّلة، وهذا ما لن تسمح لي السلطة بالحصول عليه، ولن تكرّمني بجعلي بطلاً وهميّاً في عيون الناس الذين قد يعجبون بقولي أو فعلي لكنّهم ينكفئون على ذواتهم، وينأون بأنفسهم عنّي، وعن وجع الرأس الذي قد يطالهم جرّاء تعاطيهم معي.

 

كان هناك سؤال عمّا ينقص الثقافة العربية، فأجبت بأنّه ينقصها النقد، الاستشفاء من الشلليّات، الابتعاد عن المحسوبيّات، بتر الذراع المتنفّذة للسياسة في توجيه دفّة الثقافة، التحرّر من وساوس الغزو الثقافيّ، أي ثورة ثقافيّة بالمعاني كلّها.

 

فتحت هذه الجمل القصيرة أبواب الجحيم عليّ، بدأ المحقّق بكيل الشتائم لي، كان يهدّد ويتوعّد ويقول إنّه سيبتر لساني من حلقي، وإنّني جبان أختبئ خلف التوريات والاستعارات، وإنّ الدولة وحدها -وكان يقصد النظام وأجهزته الأمنية بقوله الدولة- لها الحقّ في البتر والقطع والوصل، وما عليّ إلّا الرضوخ لسياساتها وهي أدرى. وكان يشدّد على أنّني متآمر على الدولة ومتواطئ مع العدّو لإضعاف نفسيّة الشعب وبثّ الإشاعات بينهم.

 

وصفني بأنّني من أنصار التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ، وأنّني أرى إسرائيل حليفة لي وسنداً ولا أراها عدوّاً، وبأنّني حين أدعو للتحرّر ممّا أصفه بأوهام الغزو الثقافيّ فإنّني أفتح الباب أمام إلغاء شخصيّة العربيّ، وأدعو لفتح قنوات للتطبيع مع العدوّ الذي سيغزو البلد بما ومن فيه، ويدمّره.

 

لم يكن يترك لي أيّ مجال لأقدّم إفاداتي، وما إن كنت أعني ضرورة التحلّي بالثقة بالنفس والتاريخ والثقافة والحاضر، وأن تكون قوة المعرفة هي القائدة والداعمة والحامية، لا الخواء الذي يتمّ تضخميه عبر شعارات جوفاء لا تجدي ولا تحمي.

 

- “ثورة ثقافيّة يا ابن الكلب..؟! مَن أنت أيّها القزم لتنادي بالثورة؟! اللعنة عليك وعلى شكلك التافه الحقير يا مَن تتوهّم أنّك كاتب وروائيّ. الثورة مستمرّة منذ أن قادها الأب الخالد ونحن ماضون في تحرير البلاد من جواسيس العدوّ وأذرعه الثقافيّة من أمثالك يا مُتصهين.. تدعو لبتر ذراع القيادة السياسيّة وتوجيهاتها المقدّسة، وتدعو لثورة كذلك”.

 

كان المحقّق يحتقن غضباً، يرغي ويزبد، وهو يرتّب مسبّاته ويبالغ في وعيده. لم يستعمل الضّرب معي، كان يتعمّد إيذائي بالكلمات والسباب. علمت فيما بعد أنّ هناك مَن توسّط لدى ضابط في الفرع ودفع له مبلغاً من المال كي لا يتمّ إيذائي جسديّاً لأنّ جسدي لا يحتمل التعذيب والضرب. ولا أدري إن كان ذلك سبباً في عدم ضربي حينها أم لا.

 

كنت قد أجبت عن سؤال: ما الذي ينقصك في بلدك على الصعيد الثقافي؟ بأنّه ليست هناك مؤسّسات تهتمّ بالكاتب بعيداً عن تأطيره وتقزيمه وتحديد السقف له، وضرورة أن تكون هناك منابر تبتعد عن التفكير بذهنيّة العصابة.

 

حين أستعيد ما عشته في تلك الأيّام من أوقات عصيبة بائسة، أعجب كيف كنت أتحمّل ذاك الإيذاء كلّه من دون أن أفكّر بأن أصبح قاتلاً منتقماً من كلّ من تربطه بالمخابرات صلة ما. لا أقول بأنّني أترفّع عن الانتقام بقدر ما أجد نفسي منشغلاً بهموم وهواجس أخرى أكبر، لم تكن غايتي في أيّ يوم أن أنتقم من ضحيّة. كنت أعتبر أولئك المحقّقين ضحايا ظروفهم وواقعهم بدورهم. كنت أرثي لحالهم وأوهامهم عن أنفسهم وعالمهم.

 

ابتسم فجأة وهو يقول “أخيراً ها أنت تقول شيئاً مفيداً وصحيحاً. أقسم أنّ معك حقّاً مئة بالمئة”. كان قد قرأ سؤال الصحيفة لي “نصيحة قدّمت لك ولم تأخذ بها؟”، وكنت قد أجبت حينها “لا تتزوّج”.

 

سعد بذاك الجواب، فسّره بأنّني نادم على زواجي، وأنّني مثله أيضاً، هو الذي يمجّد عظمة مرحلة العزوبيّة ومتعتها ويتغنّى بالحريّة التي يمتلكها الأعزب، لا امرأة تنقّ عليه وتصدّع رأسه وتعكّر صفو أيّامه. ولم يفسح لي أيّ مجال لأخبره برأيي عن فكرة النصيحة ولعبة الاستنصاح، وكيف أنّ كلّ امرئ في النهاية يعيش تجربته ويكتسب عبرته وحكمته وخبرته منها بعيداً عن أيّ نصائح أو اقتراحات.

 

عقّبت على كلامه بقولي “بالفعل الحريّة هي أعظم شيء ينبغي تمجيده”. انتبه إلى أنّ جملتي ربّما تكون ملغّمة، فسارع إلى ضبط ملامحه، وعاد إلى دأبه في إهانتي وتسخيف أقوالي، وعاودت رثائي له ولأمثاله، قلت له “أنت تؤدّي عملك، وأنا أيضاً أؤدّي عملي”..

 

يفضّل بعض الناس العيش في ذلّ العبوديّة، متخيّلاً أنّه يحيا في فردوس تاريخيّ، لا يستطيع التفكير بأنّه قد يكون سيّد نفسه وقراره ذات يوم، يجد في التبعيّة ذاته، يتبلور وجوده بانقياده لسلطة الآخر وأوامره. تكون الذات في محنة مركّبة، تكون صورة الآخر الشوهاء في مرآة الأنا، حيث الأنا تائهة في ضباب الهوية نفسها.

 

لا يمكن لمن أدمن العبوديّة أن يستمتع بالحريّة، وتراه يستقبح أفعال أولئك الذين يقدمون على تحدّي أجهزة النظام القمعيّة، ويصفهم بالمجانين والأغبياء الذين يتوهّمون أنّهم بممارساتهم البائسة سينالون من قوّة تلك الأجهزة التي تنسّق معها أهمّ وأقوى أجهزة المخابرات في العالم.

 

ذاك الحوار الذي تسبّب بنفيي ونقلي وإهانتي وإيذائي كان قد مرّ في الصحيفة كغيره من الحوارات اليوميّة التي يتمّ نشرها، ولم ينتبه أحد إلى أنّه قد غيّر مسار حياتي برمّته، وأخرجني من هدوء وأمان إلى قلق وتوتّر وتعذيب. وتسبّب بإصابة زوجتي بقلق مزمن عليّ، ناهيك عن تسرّع القلب الذي أصيبت به أكثر من مرّة.

 

الطريف أنّني حين التقيت في معرض القاهرة الدوليّ للكتاب بمعدّ ذاك الحوار مصادفة في أروقة المعرض، وكان قد مرّ على نشره بضع سنوات، أخبرته أنّ الحوار القصير الذي نشره في صفحته الثقافيّة قد غيّر مسار حياتي وتسبّب لي بكثير من المشاكل. ابتسم وهو يقول لي إنّه لم يتذكّر الحوار ولا تفاصيله. ابتسمت بدوري له وتركته من فوري، قلت له: أراك لاحقاً.

 

لم أنتظر منه أن يعوّضني عمّا أصابني، لكن ذاك الاستخفاف لم يقلّ إيذاء في نفسي عن إيذاء المحقّق. شعرت بإهانة تسحق روحي، فهذا الذي يفترض به أنّه يقدّر الكلمة حقّ قدرها، ويعرف قيمتها ومسؤوليّتها، يتنكّر لها بطريقة ما. تذكّرت مثلاً كرديّاً يقول “بعض الناس يتحدّثون من أفواههم، وبعضهم من مؤخّراتهم”.

 

اكتفيت بالبسمة وأدرت له ظهري، كنت أدير ظهري لذاك الواقع الذي ينهض فيه المحقّق بدور المؤوّل لما بين السطور، وما في الصدور، ويتخلّى الشاعر عن تقديره لقيمة الكلمة وقيمتها وسموّها، وينساق وراء تمييع القيم فيكون أكثر خطراً على الفنّ والأدب والفكر من القتلة والجاهلين.

 

الجديد     01/08/2017