Share |

المواطنة المتساوية وإشكالية الانتماء: قراءة تحليلية في العلاقة بين الكرد والعرب في سوريا ... م. أحمد زيبار (مقال 3)

الكاتب : أحمد زيبار
الكاتب : أحمد زيبار

المواطنة المتساوية وإشكالية الانتماء: قراءة تحليلية في العلاقة بين الكرد والعرب في سوريا ...  م. أحمد زيبار    (مقال 3)

شكّلت نهاية الحرب العالمية الأولى منعطفاً حاسماً في إعادة تشكيل الفضاء السياسي للشرق الأوسط، إذ أُعيد رسم خرائط المنطقة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وفق اعتبارات جيوسياسية خارجية، بعيداً عن مطالب الشعوب في تقرير مصيرها. وفي هذا السياق، أُقصي الشعب الكردي عن مسار بناء دولته القومية رغم حضوره التاريخي المتجذر في المنطقة. وبدلاً من ذلك، جرى تفكيك الحيّز الجيوسياسي الكردي وإلحاق أجزائه بوحدات سياسية ناشئة، من بينها الدولة السورية التي ضمّت القسم الغربي من كردستان.

 

 

منذ تشكّل الدولة السورية الحديثة، انخرط الكرد في مؤسساتها ضمن معادلة اتسمت بالتوتر بين المشاركة الفعلية والإقصاء الرمزي. فقد ساهموا في بناء الدولة ومؤسساتها، في مقابل غياب الاعتراف بهويتهم القومية بوصفها مكوّناً مؤسساً. وتعزّز هذا التوتر مع ترسّخ نموذج الدولة المركزية ذات الطابع الأحادي، التي اتخذت العروبة مرجعية حصرية لتعريف الهوية الوطنية، بما أفضى إلى إعادة إنتاج تراتبية بين المكونات وإقصاء الفاعلين غير العرب، وفي مقدمتهم الكرد.

تبلور الخطاب السياسي السوري، على امتداد عقود، ضمن بنية معيارية أحادية للهوية الوطنية تمحورت حول العروبة بوصفها المرجعية المهيمنة التي تحدد حدود «المقبول السياسي». وأفضت هذه البنية إلى إقصاء أشكال التعبير القومي غير المنسجمة معها، ولا سيما التعبير القومي الكردي، الذي لم يُهمَّش فحسب، بل خضع أيضاً لعمليات احتواء وإعادة تأطير قسرية ضمن حدود هذا النسق. وتجلّت هذه المقاربات في سياسات ممنهجة من التضييق والملاحقة استهدفت النخب السياسية والثقافية الكردية منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي.

ومع استيلاء حزب البعث على السلطة، انتقلت هذه المقاربات من حيّز الممارسة إلى حيّز البنية المؤسسية، حيث جرى تثبيتها ضمن منظومة حكم سعت إلى إعادة هندسة المجال السياسي برمّته. ولم يقتصر هذا المسار على الفاعلين غير العرب، بل شمل مختلف الفاعلين السياسيين عبر آليات ضبط وإخضاع متشابهة. وفي هذا الإطار، يمكن توظيف مفهوم «تدجين الفاعلين السياسيين» للدلالة على إخضاعهم لسقف غير معلن من التصورات والخطابات التي تنتجها السلطة، بما يعيد تشكيلهم كذوات سياسية منضبطة ضمن الرؤية الرسمية. وعليه، يُعاد تأطير أي انزياح عن هذا السقف، بصرف النظر عن الحامل القومي، بوصفه تهديداً للوحدة الوطنية أو خروجاً على إجماع مُفترض.

وفي مرحلة لاحقة، ولا سيما في ظل حكم عائلة الأسد، اكتسبت هذه الاستراتيجيات طابعاً أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد السلطة تكتفي بالقمع المباشر، بل اتجهت إلى اختراق البنى السياسية وإعادة تشكيلها من الداخل وتعميق انقساماتها. وبهذا تحولت الدولة إلى فاعل يعيد إنتاج المجال السياسي وفق منطقها السلطوي، بما أضعف استقلالية الفعل السياسي، ولا سيما لدى المكونات المهمّشة ضمن التصور العروبي الأحادي للهوية الوطنية.

ولم تظل هذه البنى مقتصرة على أجهزة السلطة، بل أُعيد إنتاجها داخل الحقل السياسي نفسه عبر فاعلين عملوا ضمن شروطها وحدودها، فتحوّل الفعل السياسي إلى ممارسة مقيّدة فاقدة لفاعليتها. وبدلاً من تحدّي هذه المنظومة، جرى استيعابها وإعادة إنتاجها تحت شعارات النضال وحقوق الشعب، وهو ما تجلّى بدرجات متفاوتة في بعض الحركات الإسلامية والماركسية والكردية التي وجدت نفسها تعمل ضمن البنى ذاتها التي سعت إلى معارضتها.

في ضوء ما سبق، تغدو إشكالية الانتماء نتاجاً مباشراً لاختلال مبدأ المساواة. فالمواطنة، في التصورات السياسية المعاصرة، لا تُختزل في بعدها القانوني الشكلي، بل تتأسس على خبرة اجتماعية وسياسية قوامها الاعتراف المتكافئ بالهوية والحقوق. غير أن الكرد في سوريا واجهوا بنية مزدوجة من الإقصاء؛ إذ طُلب منهم الاندماج في هوية وطنية جامعة، في حين مُنعت لغتهم، وهُمِّشت ثقافتهم، واستُهدفت خصوصيتهم القومية عبر سياسات ومشاريع ذات طابع تمييزي وعنصري تفتقر إلى أي أساس أخلاقي أو قانوني.

ولا يقتصر أثر هذا التناقض على إضعاف الإحساس بالانتماء، بل يتعداه إلى إنتاج حالة من الاغتراب السياسي، حيث يتشكّل وعي المواطن بذاته بوصفه منتمياً إلى كيان لا يعترف به اعترافاً كاملاً. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن تأسيس ولاء وطني راسخ في ظل غياب العدالة بشقّيها المعنوي والمادي؟

تتجلى إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في ازدواجية المعايير التي تحكم تعريف الوطنية. ففي حين يُنظر إلى ارتباط العربي السوري بفضاءات عربية أو إقليمية بوصفه امتداداً طبيعياً لهويته، يُعاد تأطير أي ارتباط مماثل لدى الكرد تجاه القضايا الكردية العابرة للحدود ضمن خطاب الشك والاتهام. ولا تعكس هذه الازدواجية خللاً في السياسات فحسب، بل تكشف أزمة بنيوية في تعريف الوطنية نفسها.

فالوطنية، من منظور نظري، لا تفترض نفي الانتماءات الفرعية، بل تنظيمها ضمن إطار جامع يضمن تكاملها. وتُظهر الخبرات المقارنة أن الروابط العابرة للحدود، الثقافية كانت أم السياسية، لا تتناقض مع الانتماء الوطني، بل قد تعزّزه متى أُديرت ضمن منظومة مؤسسية عادلة ومتوازنة.

تقوم العلاقة بين المواطن والدولة، في جوهرها، على مبدأ التبادلية بين الحقوق والواجبات. وعليه، فإن مطالبة المواطن بالدفاع عن الدولة تفترض، منطقياً، تمتّعه بحقوقه الأساسية. غير أن الحالة السورية تكشف اختلالاً في هذه المعادلة، حيث يُطالب الكرد، شأنهم شأن سائر المواطنين، بالالتزام بواجبات وطنية في ظل حرمانهم من حقوق ثقافية وسياسية جوهرية.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الدفاع عن الوطن بوصفه فعلاً إكراهياً، بل باعتباره تعبيراً عن انتماء متحقق. فحين تتوافر شروط المساواة والاعتراف، يتحول الدفاع عن الدولة إلى خيار عقلاني وأخلاقي في آن معاً، لا إلى واجب مفروض في سياق التهميش.

إن إعادة بناء العلاقة بين الكرد والعرب في سوريا تتطلب تجاوز النموذج الأحادي للدولة والانتقال إلى إطار تعددي قائم على المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل. ويستدعي ذلك إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس تعترف بالتعدد القومي والثقافي وتضمن التوزيع العادل للحقوق والواجبات.

وضمن هذا الأفق، يمكن تصور دولة تتأسس على شراكة فعلية بين مكوناتها، ينتفي فيها التفاوت القيمي بينها، ويتحول الانتماء الوطني إلى رابطة جامعة راسخة. وعندئذٍ يغدو الدفاع عن الوطن دفاعاً عن الذات الجمعية، لا عن كيان إقصائي.

وتُظهر التجربة السورية أن استقرار الدولة لا يتحقق عبر سياسات الإنكار والإقصاء، بل من خلال الاعتراف بالتعددية وإدارتها ضمن إطار تكاملي. فالمواطنة المتساوية ليست مجرد مقولة معيارية، بل شرط بنيوي لتماسك الدولة واستمراريتها. وفي سياق العلاقة بين الكرد والعرب تتجلى هذه الحقيقة بوضوح: إما بناء شراكة عادلة، أو تكريس انقسام يهدد الجميع.

وعليه، فإن بناء سوريا المستقبل يمرّ عبر إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس تعددية، وتحويل التنوع من مصدر للتوتر إلى مصدر للقوة، ضمن دولة عادلة تعترف بجميع مكوناتها وتكفل شراكتها المتكافئة.

 

                                                                                              بريمن – 01.06.2026

 

 

-----------------------------------------------------------------------------------------------------

تأثير الفرد القائد على المؤسسة أو التنظيم في شرقنا ...  م. أحمد زيبار        (مقال2)

 

لا شكّ أن المؤسسات والتنظيمات بطبيعتها أعمال جماعية، وأنّ قدرة الفرد – مهما بلغت – لا تستطيع تجاوز قوة الجماعة أو التقدّم عليها. هذه قاعدة عامة يكاد يجمع عليها الكثير من المهتمين بعلم الإدارة والتنظيم. غير أنّ الصورة تبدو مختلفة إلى حدّ كبير في المجتمعات الشرقية، حيث لا تعمل الأحزاب والمؤسسات وفق ما تقدّمه الكتب أو ما يُكتب بالأقلام، وإنما تتعرض لقدر من التشوّه تحت تأثير البنية الاجتماعية والعلاقات التقليدية السائدة في شرقنا المتوسط.

 

ومن خلال هذا الواقع الذي نعيش فيه، يبدو واضحاً أنّ القائد أو الزعيم يحظى بدور بالغ التأثير في الاتجاهين – الإيجابي والسلبي. فحضور الفرد في هذه البيئة التنظيمية والسياسية لا يكون حضوراً عادياً، بل يتحوّل في كثير من الأحيان إلى عنصر حاسم يوجّه المؤسسة بأكملها، ويصنع صورتها، وربما يختزلها في شخصه.

عندما يمتلك الشخص الأول في المؤسسة القدرات الحقيقية التي تؤهله لتولّي موقع القيادة، من قدرات علمية ومكانة اجتماعية مرموقة، وحينما يضاف إلى ذلك بُعد أخلاقي يقوم على الإخلاص والالتزام، فإنه لا يرى نفسه قد كَبُر بالمنصب، بل يرى أن المنصب هو الذي اكتسب قيمة إضافية بوجوده. وجود قادة كهؤلاء في الموقع الإداري الأول ينعكس إيجاباً على المؤسسة، ويدفعها إلى الأمام، ويمنحها ثقة وقبولاً أكبر لدى الجماهير، بغضّ النظر عن إمكانية تحقيق جميع الأهداف أو عدمها.

أما في الحالة المقابلة، حينما يصل الشخص الأول إلى القيادة بلا مؤهلات علمية أو اجتماعية حقيقية، ويصل بالصدفة أو عبر التكتلات والانقلابات الداخلية، فإن ذلك يترك أثراً سلبياً عميقاً على المؤسسة. فغياب شرعية الكفاءة يضعف فاعلية التنظيم ويشوّه صورته ويُفقده القدرة في الحفاظ على جمهوره.

وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بنموذجين واضحين يبرزان أثر القائد المؤهّل على نجاح التنظيم:

الأول هو السياسي الكردي جلال الطالباني رحمه الله، الذي شكّل وجوده على رأس الاتحاد الوطني الكردستاني في العراق عاملاً قوياً وديناميكياً للحزب. فقد كان الحزب في عهده منافساً سياسياً مهماً في إقليم كردستان، كما اكتسب مكانة اعتبارية على مستوى الدولة العراقية، تجلّت عندما مثّل الطالباني حزبه في رئاسة الجمهورية. كان تأثيره الشخصي عاملاً رئيسياً في رفع مكانة الحزب وتعزيز دوره.

الثاني هو السياسي الكردي إسماعيل عمر رحمه الله، رئيس حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا – يكيتي، الذي لعب دوراً محورياً في جعل الحزب صاحب حضور جماهيري واسع بين أبناء الشعب الكردي في سوريا، ومكانة محترمة في دمشق بين القوى السياسية المعارضة، خاصة أثناء مشاركته في إعلان دمشق. وقد أسهمت شخصيته المتوازنة ومكانته الأخلاقية في ترسيخ موقع الحزب ورفع رصيده.

وبصفتي شخصاً مؤمناً بالعمل الجماعي، أرى أن نجاح أي مؤسسة يقوم على تفاعل عناصرها، وأن الإداري الناجح يلعب دوراً أساسياً في خلق بيئة تشجع كل فرد من الطاقم على تقديم أفضل ما لديه، وربما أكثر من قدراته المعتادة. بينما القائد الفاشل يمكن أن يدفع الفريق إلى التراجع والكسل، بل وربما إلى كره العمل نفسه، وهو ما يؤدي حتماً إلى فشل التنظيم وابتعاد الجماهير عنه.

ختاماً يمكننا القول:

إن تتبّع أثر الفرد القائد في المؤسسات والتنظيمات في شرقنا يكشف أن البنية الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات ما تزال تمنح دوراً مركزياً للشخصية الفردية، بحيث يمكن لها أن ترفع المؤسسة أو تهدمها. وفي ظل ضعف المؤسسية وغياب آليات التقييم والمساءلة، يصبح القائد – بصفاته العلمية والاجتماعية والأخلاقية – محور الحركة التنظيمية ومحرّكها الأساسي.

فالنجاح هنا ليس مجرد نتيجة لتخطيط جماعي أو تراكم خبرات، بل يرتبط إلى حدّ بعيد بمدى امتلاك الشخص الأول لمؤهلات القيادة المتوازنة. إذ يخلق القائد الكفوء حالة من الانسجام والثقة والفاعلية، بينما تنتج القيادة الضعيفة سلسلة من الإرباكات والانقسامات التي تضعف المؤسسة وتُفقدها جمهورها.

وبما أن تغييرات المجتمع على المدى المنظور تعدّ أمراً صعباً ومعقداً، فإن ذلك يجعل من الضروري العمل على اختيار الشخص المناسب لهذا الموقع القيادي، لما له من أثر مباشر على تماسك المؤسسة وفاعليتها. فالطريق نحو تنظيمات أكثر صلابة ونجاحاً يمرّ عبر إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والقدرة والنزاهة، وتقليل الاعتماد على المزاج الفردي لصالح بنية مؤسساتية تحمي التنظيم وتضمن استمراريته.

فالتوازن بين دور الفرد وقوة المؤسسة يبقى الشرط الأساسي لبناء عمل جماعي مستدام، قادر على الصمود أمام التحديات وتقديم الممكن في أصعب الظروف.

                                                                                                  ألمانيا- بريمن

                                                                                                                         01.04.2026

                                                                                          

 

--- ------------------------------------------------------------------------------------------------

 

هل من خارطة جديدة: وأين يقف الكرد؟ ...م: أحمد زيبار (مقال 1)

 

تبدو بعض القرارات الإدارية، في ظاهرها، إجراءات تنظيمية اعتيادية، غير أنها في سياق المجتمعات المتنوعة تكتسب أبعاداً أعمق تتصل بمسائل التمثيل والعدالة واحترام الخصوصيات المحلية. فالتعيينات الإدارية في المناطق ذات الحساسية السياسية والاجتماعية لا يمكن التعامل معها بوصفها شأناً إجرائياً بحتاً، بل ينبغي النظر إليها كمؤشر على طبيعة المقاربة المعتمدة في إدارة التنوع ضمن الإطار الوطني العام.

 

في هذا السياق، ومع بدء تعيين مدير لمنطقة كوباني من قبل محافظة حلب، وما أعقب ذلك من ردود فعل شعبية وسياسية رافضة لتعيين شخص من خارج أبناء المنطقة، عاد السؤال ليُطرح من جديد بخصوص جياي كورمنج – عفرين: هل ما تزال عفرين حاضرة ضمن أولويات القوى السياسية الكردية؟ أم أن حضورها بات يقتصر على عناوين محددة، في مقدمتها ملف عودة المهجّرين، فيما تغيب القضايا المرتبطة بالإدارة والتمثيل والخصوصية المجتمعية عن دائرة الاهتمام الكافي؟

إن الإشكالية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، ولا بموقف من مؤهلاته، إذ لا تتوافر معطيات للحكم على ذلك. المسألة، في

جوهرها، مبدئية وتمسّ مفهوم الإدارة المحلية، ولا سيما في المناطق التي تتميّز بخصوصيات اجتماعية، وثقافية،

وسياسية، واضحة. فحق المجتمعات في أن تُدار من قبل أبنائها ليس مطلباً عاطفياً أو تعبيراً عن نزعة محلية ضيقة، بل

يرتبط باعتبارات عملية تتصل بفهم السياق المجتمعي، وبالقدرة على إدارة التوازنات الدقيقة داخله.

وقد أكد رئيس الجمهورية-للمرحلة الانتقالية- أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، ضرورة مراعاة خصوصية بعض المناطق،

وهو توجه يُفترض أن يجد ترجمته في السياسات العملية، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، ويكرّس معادلة

متوازنة بين وحدة الدولة واحترام تنوعها.

غير أن ما يلفت الانتباه في حالة عفرين هو غياب موقف واضح من القوى السياسية الكردية، سواء المجلس الوطني

الكردي، أو الأحزاب التي كانت منضوية ضمن الإدارة الذاتية، أو حتى الشخصيات والقوى من خارج هذين الإطارين. هذا

الصمت يثير تساؤلات موضوعية: هل تُعدّ عفرين خارج الحسابات السياسية الراهنة؟ أم أن إدارة المنطقة تُعتبر مسألة

ثانوية لا تستدعي نقاشاً علنياً؟ وأليس من صميم العمل السياسي مخاطبة القيادة السورية والمطالبة بالالتزام المعلن

باحترام خصوصية المناطق وإرادة أبنائها؟

في المقابل، أظهرت تجربة كوباني أن المبادرة المجتمعية قادرة على تحريك الفاعلين السياسيين ودفعهم إلى تبنّي مواقف

أكثر وضوحاً. وهو ما يؤكد أن الدفاع عن حقوق أي منطقة يبدأ من مجتمعها المحلي، وأن الضغط السلمي المنظم يمكن أن

يسهم في إعادة ترتيب الأولويات السياسية.

أما في عفرين، فتبدو الحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى مراجعة داخلية هادئة ومسؤولة. فالتهميش المتكرر في أكثر من

محطة لم يقابله حتى الآن فعلٌ جماعي منظم يوازي حجم التحديات التي تواجه المنطقة، وكأن ردود الأفعال بقيت دون

مستوى اللحظة التاريخية التي تمر بها.

إن العقلانية السياسية المنشودة لا تعني القطيعة مع المحيط القومي، ولا الانكفاء إلى خطابٍ محليٍّ مغلق، بل تعني بلورة

رؤية متوازنة تنطلق من مصلحة منطقة جياي كورمنج - عفرين ضمن إطار وطني جامع، يحقق معادلة الخصوصية

والانتماء في آنٍ معاً. فتعزيز الحضور المحلي لا يتناقض مع الانتماء الوطني، بل يستمد شرعيته منه ويتقوّى به.

وإذا كنا نتعثر عند اختيار مديرٍ للمنطقة من أبنائها، فكيف لنا أن نرتقي إلى مشاريع أكبر وأكثر طموحاً؟ لقد راودني دوماً

أن على القوى المحلية أن تطالب الجهات المعنية، وأن تطرح بثقة واستحقاق فكرة جعل عفرين محافظةً سوريةً كاملة

الصلاحيات، بما يعكس وزنها التاريخي والاجتماعي والسياسي، ويضمن تمثيلاً إدارياً أكثر عدالة واستقراراً.

 

وإذا كان الموقف اليوم يتسم بالمراقبة إزاء مسألة تعيين إداري- مدير للمنطقة، فالسؤال الأوسع يتعلق بكيفية التعاطي مع

الملفات الأكثر حساسية، كالمراسيم الناظمة للإدارة المحلية، والعمل على تثبيت الحقوق في الدستور السوري، ولا سيما ما

يرتبط باللغة الكردية وضمان حضورها المؤسسي بما يتناسب مع الواقع الديمغرافي والثقافي للمنطقة. فهذه القضايا لا تُدار

بردود أفعال آنية، بل تحتاج إلى عمل سياسي وقانوني منظم، يقوم على وضوح الرؤية وتحمّل المسؤولية.

إن الدفاع عن الحقوق ضمن إطار الدولة لا يتعارض مع أداء الواجبات، بل يعزّز منطق الشراكة الوطنية. والعمل من أجل

المصالح المحلية المشروعة ليس انعزالاً، بل هو مدخل طبيعي للإسهام في صياغة معادلة وطنية أكثر توازناً وعدالة.

فالمناطق التي تعبّر عن مطالبها بوعي وتنظيم تكون أقدر على تثبيت حضورها في المشهد العام.

وعليه، فإن عفرين ليست هامشاً في المعادلة الوطنية، ولا تفصيلاً عابراً في المشهد السياسي؛ إنها منطقة ذات خصوصية

تاريخية، وثقافية، واجتماعية، واضحة. وصون مكانتها يتطلب خطاباً عقلانياً ومسؤولاً، يوازن بين الانتماء الوطني

والخصوصية المحلية، ويحوّل اللحظة الراهنة إلى فرصة لإعادة تثبيت موقعها ضمن رؤية سياسية أكثر شمولاً واتزاناً.

 

ألمانيا- بريمن

05.03.2026