ليس هذا سؤالًا عاطفيًا بقدر ما هو سؤال إنساني، أخلاقي، وسياسي موجَّه إلى العالم أجمع: إلى متى سيبقى الشعب الكردي هدفًا للقتل والاضطهاد والإبادة الجماعية، فيما يكتفي المجتمع الدولي بالمشاهدة والصمت؟
نحن شعبٌ لم يختر الحرب، بل آمن بالسلام والتعايش السلمي واحترام الآخر، مهما اختلف القوم أو الدين أو العقيدة. وقد سعى الكرد، عبر تاريخهم، إلى أن يكونوا عنصر استقرار لا وقودًا للصراعات. ومع ذلك، كانت النتيجة دومًا واحدة: إنكارٌ وقمع، ودماءٌ تُسفك، فقط لأن أصحابها كورد.
والمفارقة القاسية أن الكرد يُستدعون كلما احتاجت القوى الدولية إلى من يدافع عن الأمن الدولي أو يواجه الأخطار في الشرق الأوسط. وحين تنتهي تلك الحاجة، يسود صمتٌ مريب أمام الجرائم المرتكبة بحقهم، وكأن التضحيات تُمحى بانتهاء الدور، وكأن العدالة مؤقتة ومشروطة بالمصلحة، لا بالقيم، ولا بالتحالفات، ولا بمبادئ الأمن والسلم العالمي.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نسعى إلى ما هو خارج القانون أو التاريخ. لا نريد سوى أن نكون أصحاب الأرض التي ننتمي إليها، الأرض التي عاش فيها أجدادنا لآلاف السنين، قبل أن تُقسَّم قبل قرنٍ من الزمن وفق مصالح قوى لم تسأل يومًا عن إرادة أهلها. نطالب بحقنا الطبيعي في الحرية، وبحق تقرير المصير الذي أُقِرّ في القوانين والمواثيق الدولية التي وقّعت عليها أغلبية الدول.
أم أن تلك القوانين ليست سوى شعارات رنانة وحبرٍ على ورق، تُفعَّل حين تخدم الأقوياء، وتُعطَّل حين تتعلق بشعبٍ له تاريخ عريق وجذور ضاربة في عمق الأرض، ويكافح من أجل حقوقه المغتصبة؟
وليكن واضحًا أن أي حديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، أو عن سلامٍ دائم واستقرارٍ إقليمي، سيبقى ناقصًا ومهددًا بالفشل ما لم تُحل القضية الكردية حلًا عادلًا، قائمًا على الاعتراف والإنصاف، لا على الإنكار والترحيل والتهميش. فتجاهل شعبٍ بحجم الكرد، تاريخًا وجغرافيا، لم يكن يومًا خيارًا ذكيًا، ولا سياسة ناجحة.
التاريخ شاهدٌ حيّ؛ فكل من حاول محو الكرد أو كسر إرادتهم انتهى، بينما بقي هذا الشعب صامدًا، متجذرًا في أرضه، لم ينكسر رغم حملات الإبادة الجماعية والتهجير القسري. وكما قال فخامة الرئيس ومرجعنا (كاك مسعود بارزاني): “حاربونا في كل شيء، إلا في إرادتنا، فلا أحد يستطيع كسر إرادتنا.”
هذه الإرادة ليست تهديدًا لأحد، بل رسالة واضحة: الكرد باقون، وحقوقهم لا تسقط بالتقادم، والعدالة المؤجلة لا تُلغي الحقيقة. فمن أراد سلامًا حقيقيًا في هذه المنطقة، عليه أن يبدأ بالاعتراف بالكرد وحقوقهم، لا باستخدامهم ثم التخلي عنهم، فنحن باقون بهويتنا ما بقيت الحياة على الكرة الأرضية.
basnews